شهرزاد رجلا

شهرزاد رجلا

ت + ت - الحجم الطبيعي

تسير رواية محمد أبو معتوق الجديدة «شهرزاد رجلا» على سكة أسلوبه المعروف، إلا أنها تميل إلى المزيد من الارتجال في الحكي المثقف الذي يجري على ألسنة شخوصها، على اختلاف سوياتهم الثقافية، وهي تلتزم بإطار حكائي شعبي عام بسيط، يجد ضالته في اقتباس النص الأدبي العربي الأشهر «ألف ليلة وليلة» فالرواية تتألف من ست ليال يليها فصل لليالي الأخيرة.

وبدلا من أن يقود الراوي اللغة ليرسم بها الشخصية تنقاد غالبا باللغة وضرورات السجع والجناس الطارئين وبالتضمين أو العطف اللغوي المفاجئ وجمع المتنافرات الذي يصنع الهزل والطرافة (شعر بالريبة والتورم ـ بعد جوع واحتقان ـ أصيب بالدهشة والبهاق) فالصائم عن الكلام يصبح خطيبا من خطباء الحارة ويخطب خطبا لا تخلو من حذلقة فلسفية ثم تقرر أمه التأسي بقدوة ديك بيتها ذي الدجاجات الخمس بأن تخطب خمس خطبات بادئة بلمياء الاخفش ابنة صاحب الشرطة الذي يعتقل الاحنف لذكره اسمها ويقع السرد في غواية اللعب على التشكيل الجمالي والاحتمالات الكاريكاتورية لعبارة «طلب اليد» و«القيد».

لكن الخطبة تبوء بالفشل بعد مشهد كاريكاتوري يقذف فيه الأحنف من فمه لقمة تكاد تقتل المخطوبة وبعد فشل الأم في خطبة بنات السلطة تتجه إلى بنات المعارضة ويجري حديث بين شهرزاد وشهريار ـ اللذين صارا فجأة من شخصيات الرواية ـ حول كيفية تمييز الأحنف صحف المعارضة من صحف الحكومة؟

فتعلل له بأن صحف الحكومة صقيلة تصدر اصواتا مفزعة عند التمزيق أما أصوت تمزيق صحف المعارضة فهشة سهلة فيقرر شهريار منع استيراد الورق الهش (سأجعل رجال المعارضة يكتبون بياناتهم على اقفيتهم حتى لا يكون ورق لستر الكلمات والعورات) وبعد حوار عن الألبسة الداخلية يرمي المعارض الذي يختار له المؤلف اسم «الأرقم الذري» على خلاف السلطة التي بقيت بصفاتها السلطوية بالأحنف في حاوية زبالة فيخطف من قبل مجموعة ملثمة تقرر العطف عليه بعد فشل خطبات بنات السلطة والمعارضة فيعلمه زعيمهم بأن سبب بلائه هو أمه التي قررت الاحتذاء بديكها .

وانه يجب ان يحمد ربه انه ليست لها مدجنة ويجد نفسه مرة ثانية في حاوية الزبالة ويصل الأحنف إلى أن السلطة عندما تكون قاسية تكون المعارضة أكثر قسوة وعليه تقرر الأم خطبة ابنة شهبندر التجار البدينة التي يعلق الكرسي في مؤخرتها (الكاتب بعامة يميل إلى هزل العبارة لا الأمارة والكلام لا الرسم) عند نهوضها ويدور حديث بين شهبندر التجار عن صندوق الاقتراع وصندوق العرس ويجيز له أن يرى ابنته في خلوة (فالموت مع الخلوة أفضل من الحياة مع الاستبداد) .

لكن الأحنف يحتار فيها فهل هي الوحش أم الحسناء وبعد الخلوة يدخل الشهبندر ليجده وحيدا من دون أن يجد ابنته التي اختفت (وهي من وقائع الرواية الأكثر فانتازية) فيرميه في الصحراء .

وفي الصحراء بين الأسلاك الشائكة التي تفصل الحدود يحضر له قائد القوات الدولية سربا من الفتيات المجندات على أن يختار واحدة إلا انه يريد خمسا دفعة واحدة فيغتاظ القائد ثم (رفع سبابته نحوه بارتياب واتهمه وأمه بالإرهاب).

في فصل الليالي الأخيرة تقبل لمياء الاخفش الخطيبة الأولى الزواج منه على شرط أن يحكي لها حكايات على عكس حكاية شهريار وشهزراد فيعيد إنتاج حكايته عبر قصة ملك لم ينجب سوى ابنة واحدة اسمها «روح الأزهار» وكان للملكة محاولات خيانية في إنجاب ولد من البستاني، وتقرر روح الأزهار تزويج نفسها وأن (تكمل دينها ويقينها) وبعد معرفة سوء سمعة أبيها الوحشية تقرر الزواج من احد المساجين المعارضين وينصحها عميد السجن بالزواج من المحكومين بالخمس سنوات لأنهم (ابعد عن القتل والسياسة) فيجمع لها المساجين فتسألهم سؤال «أحجية السعد»: ما هو الشيء الذي يفصل بين الليل والنهار؟ ويعجبها جواب المسجون الذي يجيب قائل: الديك!

وتغرر به فيقع في الخيانة الزوجية مع الوصيفة فتذهب إلى السجن وتطلب متسابقا آخر من المحكومين بعشر سنوات فيقع في الخيانة الزوجية هو أيضا ثم الثالث المحكوم بالإعدام الذي يقول لها انه لا مفر للوحش (يقصد نفسه) من الموت إلا بالفداء من امرأة حسناء إلا أنها تفضل أن يفدي نفسه بالحكايات فيرضى ويموت في اليوم التالي.

وقد ترك ورقة مكتوبا فيها (ليس بوسع احد من الرجال أن يشكل حرفا أو حكاية تفوق حكايات شهرزاد) وتجمع الرواية التجريبية، التي سعت إلى الحكاية ملعبا لتجريب الحكايات وتوسيعها وقلبها وضخها بلغة حديثة أدبية متعالية مواربة لماحة هازلة، الأحنف ولمياء وشهريار وصوت شهرزاد في مشهد واحد وهي تقول خاتمة (عندما لا يكون الكلام مباحا تنتهي الحكاية يامولاي) ولعل الجملة الأخيرة رسالة ترفع هزل الرواية الممتع في مبنى الرواية وفي خطابها، والذي ظنناه آثمين انه غاية فنية محض، إلى رتبة أخرى.

المؤلف في سطور

محمد أبو معتوق روائي وكاتب مسرحي سوري ولد في حلب عام 1950- حي المغاير حائز على إجازة في اللغة العربية من جامعة حلب 1974- 1975 وفائز بعدة جوائز أدبية وعضو جمعية القصة والرواية.

من مؤلفاته الروائية : القمقم والجني وجبل الهتافات الحزين وشجرة الكلام والاسوار أما أعماله المسرحية فهي : التغريبة المعاكسة وفوق هذا المستطيل وقع حادث وأوهام حارس الغابة ومسرحيات أخرى وملحمة الأيام الفلسطينية ومغامرة الرأس المقطوع وأنشودة الخوذة وموت الحكواتي والحبل والكرسي.

أحمد عمر

طباعة Email