الحياة. بلا اسم. بلا ذاكرة. كانت وحيدة. كانت لها يدان. لكن لم يكن لديها من تلمسه. كان لها فم. لكن لم يكن لديها من تتكلم معه. الحياة كانت واحدة. وكونها كانت كذلك. فإنها لم تكن أي حياة.الرغبة أطلقت قوسها إذا. وسهم الرغبة قسم الحياة بالنصف إلى فسطاطين وأصبحت الحياة اثنين. الاثنان التقيا وضحكا. كانت رؤيتهما أحدهما للآخر تدفعها إلى الضحك وملامسة أحدهما للآخر أيضا.

من افريقيا. استهلت الإنسانية رحلتها عبر العالم. من هناك. شرع أجدادنا في فتح الكوكب. الدروب المتنوعة أسست لمصائر متنوعة. والشمس اهتمت بتوزيع الألوان.

الآن. أصبح لدينا نحن معشر الرجال والنساء. قدماء الأرض. من الألوان أكثر من قدماء السماء. لكننا جميعا أفارقة مهاجرون. حتى أبيض البيض يأتون من أفريقيا.

قد نرفض تذكر أصلنا المشترك لأن العنصرية تصيب الإنسان بفقدان الذاكرة. أو لأنه يبدو لنا مستحيلا الاعتقاد بأنه في تلك الأزمان السحيقة كان العالم برمته مملكتنا التي تغطي خارطة شاسعة لا حدود لها وأن سيقاننا كانت جواز السفر الوحيد المطلوب.

المتشابهون

السماء والأرض. الخير والشر. الولادة والموت كانت منفصلة.النهار والليل لم يختلطا والمرأة كانت مرأة والرجل رجلا.

لكن «إيتشو». قاطع الطريق الجوال. كان يلهو ولا يزال. مسلحا انتفاضات محظورة.

شيطناته تشطب الحدود وتوحد ما كانت الآلهة قد جزأته. وجراء أعماله وظرافته. تصبح الشمس سوداء والليل يتقد. ومن حبات كتفيه تبرعم النساء والنساء يرشحن الرجال.من يموت يولد. ومن يولد يموت. وفي غمرة كل ما ينشأ أو على طريق النشوء تختلط المحنة والعدل. حتى انه لم يعد يعرف من هو الحاكم ومن هو المحكوم. ولا أين هو الفوق ولا أين هو التحت.

آجلا أو عاجلا. النظام الإلهي سيعيد تثبيت مراتبياته وجغرافياته. ويضع كل شيء في مكانه وكل واحد في سياقه وعاجلا أو آجلا سيظهر الجنون من جديد.

حينها ستأسف الآلهة على أن العالم لا يساس.

كهوف

الرواسب الكلسية المتحجرة تتدلى من السقوف. الرواسب الكلسية المتحجرة تنبز من أرض المغارة.

كلها هشة زجاجية. مولودة من رحم شفافية الصخر في أعماق الكهوف التي حفرها الزمن والمياه في الجبال.

مر على تلك الهوابط والصواعد آلاف السنين باحثة عن العتمة. قطرة تلو أخرى. بعضها هابط. وبعضها صاعد.

بعضها تأخر مليون سنة في الملامسة.

إنها ليست في عجلة من أمرها.

في المدرسة علموني أنه في زمن الكهوف اكتشفنا النار ونحن نحك الحجارة أو الأغصان.

من ذلك الحين. وأنا أحاول القيام بذلك. ولم أتمكن قط من نزع ولو شرارة متواضعة واحدة.

إخفاقي الشخصي لم يمنعني من الإعراب عن امتناني للأفضال التي قدمتها النار لنا. حمتنا من البرد ومن الوحوش المعادية. طهت لنا الطعام. أضاءت لنا الليل. ودعتنا للجلوس سويا إلى جانبها.

مؤسسة الجمال

إنهن هناك. مرسومات على الحيطان وعلى أسقف الكهوف. تلك الأشكال. البيسونات (ثور وحشي أميركي). أيائل الشمال. الدببة. الخيول. الصقور. النساء. الرجال. لا عمر لهم. ولدوا منذ آلاف وآلاف السنين. لكنهم يولدون من جديد في كل مرة ينظر إليها أحد.

كيف تمكنوا هم. أجدادنا البعيدون. من الرسم بطريقة رقيقة إلى هذا الحد؟كيف تمكنوا هم. أولئك البهائم الذين قاتلوا الوحوش بأيد عارية. من إبداع أشكال مليئة بالملاحة إلى هذا الحد؟ كيف تمكنوا هم من رسم تلك الخطوط السائبة التي تهرب من الصخر وتذهب إلى الهواء؟ كيف تمكنوا هم...؟ أم تراهم كانوا هن؟

خضرة الصحراء

في «تاسيلي» وأقاليم أخرى من الصحراء. تقدم لنا الرسومات الصخرية. منذ نحو ستة آلاف عام. مناظر نمطية لأبقار وثيران وظباء وزرافات ووحيد القرن وأفيال...

هل كانت تلك الحيونات مجرد خيال صرف؟ أم أن سكان الصحراء شربوا الرمل؟ وما الذي كانوا يقتاتون؟ أكانت حجارة؟

الفنون تنبئنا بأن الصحراء لم تكن صحراء.بحيراتها بدت كالبحار ووديانها أعطت ما ترعى به الحيوانات التي وجدت نفسها في وقت لاحق مجبرة على الهجرة إلى الجنوب سعيا وراء الخضرة المفقودة.

كيف تمكنا؟

أن يكون المرء فم أو أن يكون لقمة. صياد أو مصيود. تلك كانت القضية.استأهلنا الازدراء أو كحد أقصى الأسف.في العراء المعادي لم يحترمنا أحد ولا أحد خشينا. الليل والغابة كانا يثيران الذعر فينا. كنا الدويبات الأكثر هشاشة بين الحيونات الأرضية. أشبال غير نافعة. راشدون هزيلون. بلا مخالب. ولا أنياب كبيرة. ولا قوائم سريعة. ولا حاسة شم طويلة المدى.تاريخنا الأول يضيعنا في الضباب.على ما يبدو. لم نكن منكبين إلا على قسم الحجارة وتوزيع ضربات العصا.

لكن بوسع المرء التساؤل جيدا: أما كنا قادرين على البقاء على قيد الحياة عندما كانت النجاة مستحيلة؟ كيف تمكنا من الدفاع عن أنفسنا سويا وتقاسم الطعام؟.إنسانية الحاضر تلك. حضارة أنفذ بجلدك إن استطعت إلى ذلك سبيلا و وعقيدة اللهم أسألك نفسي. هل كان يتعين أن تدوم لأكثر من برهة في العالم؟.

أعمار

يحدث لنا قبل الولادة. في أجسادنا التي تبدأ بالتشكل يظهر شيء يشبه الخياشيم وكذلك نوع من الذيل.لا تعمر طويلا تلك الزوائد التي تظهر وتسقط.

تلك الظواهر سريعة الزوال. ألا تخبرنا بأننا كنا ذات مرة أسماكا وأننا كنا ذات مرة قرودا؟أكنا أسماكا أطلقت لغزو الأرض الجافة؟ أكنا قرودا تركت الغابة أم أن الغابة هجرتها؟

والخوف الذي شعرنا به في الطفولة. خوف من كل شيء. خوف من لا شيء. ألا يخبرنا بأننا كنا نخاف ذات مرة من أن نكون مأكولين؟الخوف من العتمة وكرب الوحدة. ألا يتذكرنا ذلك الهجران؟ كل ذلك أصبح أكبر. وبتنا نحن الخوافون نثير الخوف. المصيد جعل من نفسه صيادا. اللقمة صارت فما. المسوخ التي كانت تديننا بالأمس. أصبحت اليوم مساجيننا. سجناء يقطنون حدائق حيواناتنا ويزينون راياتنا وأناشيدنا الوطنية.

أبناء عمومة

كان «هام». مكتشف الفضاء الكوني. قد تزوج في أفريقيا. كان الشمبانزي أول من رحل بعيدا عن العالم. كان القرد الأول.غادر على متن المكوك «ميركوري». وكان لديه من الأسلاك الكهربائية أكثر مما يحتويه منها مركز للهواتف.

عاد إلى العالم سليما معافى. والفحص الذي أجري لكل وظيفة في جسمه. أظهر أنه كان بوسعنا نحن البشر أيضا النجاة من عبور الفضاء. «هام» كان غلاف مجلة «لايف» وأمضى بقية حياته في زنانين حدائق الحيوان.

باسل ابوحمده