العسل! لعله الوحيد الذي يحق له وضع فيصل التفرقة بين حلو يؤخَذ به على آخره ودون تردد، وحلو يحذَّر منه وهو في أوَّله. الحلو اسم جامع لأسماء واشتقاقات أسماء شتى، يمكن الحديث عن حلو التفاح، حلو العنب، حلو الشوندر السكَّري، الاسم يحدّد صفته، مناقبه ومثالبه، فاكهة مرئية ونبات يخفي حلاوته، يُستَثنى العسل من هذا التصنيف مثلما يظل خارج دائرة الأسماء ومشتقاتها تقديراً لحلوه الخاص جداً، ولو أجيز لوضِع له اسم جدير به، صفة لا تخلطه بغيره من الأسماء ومشتقاتها. كل حلو يعطف على مسمّيه يبقى العسلي مشتملاً على حلوه الداخلي.

وحده العسل يتمتع بصفته، بلونه الرائق، وتركيبه السحري المجاز، رغم تعدد ألوانه أحياناً، ولكن العسلي لا يُشك فيه لوناً وتشكيل مزايا، إذ قد يكون العسل أبيض أو زهرياً بحسب المتوفَّر من النباتات وصفتها، بحسب المكان وبيئته، ولكن العسلي، كما تعلمنا العين المحيلة عليه، أو كما هو المتعارف عليه في حسّيته ومقدار حلاوته، يكون الوحيد غير القابل للتحوير أو التحول، إنه يسمّي حلوه، وحلوه لا يخطئ في ذكر مزاياه الكبرى وكيف تتشكل.

العسل علم لا يحاط بسرّه، بعالمه، رغم كل المعلوم باسمه، فما يودَع فيه ويشكّله ليس أكثر من مصل حيوي مدهش يؤخَذ عن طريق الفم: طعاماً دواء، حيث يطوى النباتي في لطائفه داخله، إنه نفحات أرواح مذوَّبة!

حلو العسل يأتيه من جماع عصائر تمثّل هذه أسرار زهور وورود أو نباتات تسلّم غضاضتها للنحلة لكي تؤدي هذه مهمتها على أكمل وجه. إنه الثراء الذي يخفي سره أكثر مما يظهره، لا أحد يعلم بسر القطرة الواحدة سوى النحلة الدؤوب، إنها البلاغة التي تستحق أن تسجَّل، أن تمدَح، ولا أقل من المدح الذي يوازي عظيم الطعم فيها.

العسل: الحلو الذي لا يُرد، وكيف يُرد وهو يقيم وصلاً مدهشاً بين أرواح نباتات بينها غاية التباعد، لكل منها العلامة الفارقة؟ أن تكون نجاعة العسل وصفةً لا تحتاج استشارة مختص، لأنها مطلوبة ومرغوبة في كل آن وحين. ولكَم نقبل على العسل دونما تذكر لصانع العسل، لمركّبه الرائع، نتذوقه، نستزيد منه.

كما لو أننا نعجز عن تحديد الاسم، من فرط لذة الطعم أو حلاوة المأكول الخاص هنا، وما في ذلك من نكران للجميل، لكأننا نخشى من ذكر الصانع خشية مواجهة ذواتنا وما نحن عليه من خلاف عما نتذوق ومن يكون وراء هذا الطعام الإلهي!

يغيب المؤلف الكبير، أو المبدع النَّحليُّ السمة عن نفسه، يتخلى عنها، وهو يمتعنا بأثره حيث نستشعر جمال المقروء أو المرئي، لأن رغبة تكمن في تقديم الإيثار على الأثرَّة. كل نتاج عظيم اقتداء بالنحلة التي تتوارى وراء أثرها الحلو. ولكم يساء إلى النحلة وهي تسمى بالحشرة، إنها أكبر من الاسم والتصنيف اللذين عرفا بهما، والعظيم هو من ينسى أنه هو ليكون المقدَّم به جماع قوى، ما كان لها أن تلهم لولا هذه الخطوة النَّحلية الطابع.

ليس من «أنا» للنحلة، رغم عظمة «أناها» الصنعية، لتكون الاستثنائية دائماً في إبقاء الفعل أكبر وأروع من الفاعل، وكل ما يتم تذوقه في الفن والأدب وجليل الأعمال، يضع الفعل في المرتبة الأولى، إنه العسل من نوع آخر، عسل الكلمات التي تقال إذ يتوارى قائلها بعيداً عنها، عسل المآثر المسجَّلة التي يصبح أصحابها رموزاً.

ما أكثر ما يساء إلى عمل عظيم لأن سر عظمته ينغلق على اسمه، ولا يهمَس به من موقعه، لأن ليس كل من يمعن النظر في عمل كهذا بمكتشف أثيره، ولكم تُؤذي النحلة في لسعتها، لأن الملسوع يستهين بها، غير مقدَّر أثرها المستطعم والمشتهى دائماً، لسعة النحلة دمغتها، إمضاءتها لمن يحاول استمداد حكمة العسل وصناعة العسل، وقلة قليلة جداً أولئك الذين يجدون في إبر النحل ما كانوا ينتظرونه بعدئذ: تذوق العسل، حصاد الفعل. أليس التاريخ هو هكذا؟ إذ يسمّي صانعيه الفعليين كما تقول آثاره، وما أكثر من يتكتمون عليهم.

لكن من قال إن الأثر العظيم لا يسمّي صانعه، وإن كان مجهولاً؟ ذلك هو فعل النحل فيما يأتي عليه وبه، وذلك هو فعل كل صانع تاريخ في جانب منه، ونحن نتذوق روائعه، كما لو أن الجهد الذي يبذله كل منا بالمقابل، وقد يستغرق بنا زمناً طويلاً، يضاهي لسعة النحلة الضرورية، ليكون في الإمكان تذوق الاكتشاف في مستوى الجهد.

إنه الحلو الآخر الذي لا يُرد، عندما يخطفنا سحر لوحة فنية ما، صوت عذب ما، جمال مأثرة قائد تاريخي ما، ما لا ينفد في سلاسة نص ما، وكأننا نشتهي التلاشي في الأثر، ولعله الدرس المجهول والوحيد لفعل العسل فينا!

إبراهيم محمود