يرى إمبرتو إيكو أن ربط الجمال بالفن هو اختزال شديد. وعندما كتب «تاريخ الجمال» روى الطريقة التي نظر فيها الرجال والنساء إلى الجمال عبر العصور. وأشار إلى استعمالاتنا اليومية المختلفة لمفردة «جميل» حتى تلك التي لا علاقة لها بالجمال!
وربما اعتذر إيكو عن إعطاء تفسير واقعي للجمال لأنه كان ينظر إلى جماليات العصور المختلفة بدرجاتها النقدية المتفاوتة واستيعاباتها لعصورها التي توجد فيها وظروفها غير المتشابهة، فاليونانيون حددوا الجمال على نحو تناسبي، لكن هذا المفهوم اختلف فيما بعد ولم يعد كافياً اليوم لتحديد معرفة الجمال. فيما قال كروتشه إن في الجمال آراء بقدر مافي العالم من رؤوس. يميل الاختصاصيون في الجماليات إلى وصف دراسة الجمال من جوهره الأساسي، وهو ما يشكل البنية الثقافية بمجموعة تشاكلاتها الاجتماعية والنفسية، ولا ينفصل الجمال العام عما هو خاص في الاجتماعي والبيئي. وللفلاسفة نزوعاتهم الغريبة في إضفاء لمسات عبقرية على توصيف الجمال كما فعل فيثاغورس عندما أوجد صلة قوية بين الرياضيات والجمال!
فالجمال مادة وروح وقيل إنه إذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراكها والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه.. ومن فلاسفة الجمال الايطالي (كروتشي) مؤلف كتاب «الجمال» فهو يفضل الفن على العلم والمتافيزيقيا وأصل الفن عنده يكمن في القدرة على تكوين الصورة الذهنية ولكن هذه تفصيلات طويلة لسنا في معرض الوقوف عندها.الا اذا وقفنا عند مفهوم (الفن) في مسابقات الجمال النسائية وعددناها مسابقة (فنية) تبتعد عن الشكلية والسياحية، وهذا غير ممكن في تضاعيف المسابقة عبر عمرها الذي تخطى نصف القرن!
جمال المرأة على نحو أكثر صلة بنا فقد تم حصر الجمال بالمرأة! ولو أن شاعراً مرهفاً كنزار قباني قال «جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال» لكنه لم يكن يخلو من إشارة إلى المرأة، فالطبيعة والمرأة صنوان لحالة مثالية واحدة في الإبهار والتشويق.واذا كان الجمال يرادف القبيح من زاوية متناظرة فإن تفسيرات الجمال المختلفة لا تصمد كثيراً، من رؤية خارجية، أمام الجمال الشكلي الخارق لكل ما هو قادر على تشكيل رؤيتنا المباشرة وتوجيهها نحو متطلبات حسية فورية ربما هي الأكثر إبهاراً في لحظة من اللحظات، كرؤية امرأة جميلة جداً توفرت فيها عناصر شد جمالية مثالية وغير ذلك مما توفره الطبيعة من جماليات مختلفة تستقطب الأنظار وتبهج القلوب. وتبعث على الإبداع في نهاية الأمر.
اهتمت المرأة بزينتها وجمالها منذ فجر البشرية الأول، وما ورد الينا من انباء كثير في ازمنة مختلفة عن اهتمامات المرأة بتجميل نفسها وتقويم حالها وتميزها عن الرجل وربما حتى عن بنات جنسها عند البعض من النساء ؛ فهذه الملكة الفرعونية حبتشسوت أرسلت عشرات السفن في رحلات استكشافية للبحث عن مصادر للبخور والدهون العطرية وغيرها حتى وصلت لبلاد الهند والصين وأطراف أوروبا في سبيل جلب عطر خاص بها يميزها عن يرها من النساء.
وكان الفراعنة القدماء قد اهتموا بالعيون أكثر من غيرها إذ بحثوا عن أجود أنواع الكحل لأن المرأة كلما ركزت على جمال عينيها أصبحت أكثر سحراً وجاذبية بنظرهم، كما اهتموا كثيراً بالعطور والأبخرة، وهم أول من استخدم اللبان لتعطير الفم، وإذا عرفنا أن الملكة كليوباترة لم يكن طولها يتجاوز 150سم عرفنا أن الطول الفارع لم يكن يهمهم.
وقد فُتح طريق تجاري بري بين شرق وغرب قارة آسيا من أجل لباس المرأة وسمي بطريق الحرير، إذ كان التجار يسيرون قوافلهم من خلاله في رحلات قد تستغرق أكثر من سنة من أجل استيراد الحرير من بلاد الصين، أما الملكات والأميرات الفرنسيات فكانت لهن طرق عجيبة في الاهتمام بجمالهن.
ففي الوقت الذي كانت فرنسا تعاني فيه من المجاعة والفقر والأمراض، كانت الملكة ماري انطوانيت لا تتنازل عن حمامها اليومي المكون من عشرات الليترات من الحليب مع العسل التي تغطس فيها للعناية ببشرتها حتى ثار عليها الشعب وقطع رأسها بالمقصلة..! وفي اليابان كانت النساء من شدة حرصهن على صغر أقدامهن - وهي علامة مهمة للجمال لديهن- يقمن بإلباس بناتهن أحذية حديدية منذ الصغر حتى لا تكبر القدم..
وكانت هذه الطريقة تسمى أقدام الزنابق مع ربط القدمين بسلسلة صغيرة حتى لا تسير الفتاة بخطوات واسعة وتتعود على (نعومة) المشي! ولديهم مقاييس مختلفة في النظر إلى جمال المرأة، إذ يفضلونها ناعمة رقيقة الشكل بيضاء صافية البشرة والعنق، هادئة الصوت، والتي تكون قدماها صغيرتين ومشيتها رقيقة ومتقاربة الخطى، وكانوا يعتبرون الطول عيباً لا ميزة في المرأة.
العرب والجمال
أما العرب فكانوا يحبون الملامح الأصيلة في المرأة وهي : الأنف الدقيق والعيون الواسعة الكحيلة والعنق الصافي الطويل والجسم الممتلئ، مع الشعر الأسود الطويل و البشرة البيضاء الصافية. فيما يفضل الأوروبيون الطول ويهتمون به كثيراً كأهم مقاييس الجمال يليه الشعر الأشقر مع الجسم النحيف الرياضي والأكتاف العريضة، والشفتان الغليظتان الممتلئتان.
على ان بعض الشعوب مثل الأسكيمو والهنود الحمرفقد كانوا يهتمون أشد الاهتمام برائحة المرأة وبالذات رائحة فمها وجسمها وشعرها. إذ يحرصون على وضع الزيوت العطرية والأوراق في الشعر مع مضغ بعض النباتات التي تطيب رائحة الفم وهم يختبرون رائحة فم المرأة وجسمها قبل خطوبتها، وذلك من خلال الخاطبة التي تقوم بمهمة شم المرأة المستهدفة.
في حين أن بعض القبائل الأفريقية يزيدون في مهر المرأة كلما ازداد سواد بشرتها، لأن ذلك ليس دليلاً على الجمال فقط، بل دليل على صفاء عرقها. كما أنهم لا يفضلون الشعر الطويل أبداً إذ يقومون بحلق رؤوس الفتيات تماماً حتى تبدو أكثر أنوثة و جاذبية كما تعجبهم السمنة وامتلاء الأرداف والأكتاف.
وفي جنوب السودان وبعض الدول الأفريقية تهتم بعض القبائل جداً بالشقوق التي يقومون بعملها على وجه المرأة منذ ولادتها وكذلك على بطنها ويديها أحياناً، ويعتبرون المرأة غير (المشطّبة) ناقصة وقد لا تصلح للزواج.
أما في منغوليا والتبت فيفضلون المرأة ذات العنق الطويل جداً، حتى أنهم يضعون حلقات معدنية في عنق الفتاة منذ ولادتها وفي كل عام لكي يزداد طول عنقها إذا كبرت وقد تصل الحلقات إلى عدد كبير جداً حتى ان المرأة لتبدو مثل الزرافة.. ولكنها هي الأجمل لديهم!
آليات الجمال الحديثة
هذه عينات (جمالية) من القديم والحديث في رؤى الشعوب إلى جمال المرأة ومقاييسهم المتوارثة في الإقبال على الجنس الآخر، هي بالنتيجة مختلفة عما آلت إليه الرؤى المعاصرة في تشكيل الصورة الجمالية للمرأة الحديثة.
فقد تطورت آليات الجمال ذاتها والقى العصر الجديد ثقله المتناقض في كيفية النظر إلى المرأة وتحديد مستوياتها الجمالية، وليس لدينا خيار في التطرق إلى هذا الموضوع سوى البحث السريع في تاريخ مسابقات ملكات الجمال في العالم والوقوف عند معطيات «الجمال» العالمي بمعناه الشكلي الذي تطالعنا فيه مثل هذه المسابقات التي يشاهده مئات الملايين من الناس سنوياً.
على اننا لن نضمن في مستقبل هذه الكتابة الرؤية الصحيحة لجمال المرأة عبر مقاييس لجان التحكيم في هكذا مسابقات التي تبدو في ظاهرها (فنية) ذات مواصفات ما، لكننا في الأقل نحاول ضمان النوع الفني من جانبه الثقافي المباشر الذي ينبغي أن تكون عليه جميلات العالم من النساء.
من بيع الأجساد إلى شرائها!
لو بحثنا في تاريخ هذه المسابقة لوجدنا مؤسسها مالك أحد مؤسسات اللهو الكبرى في بريطانيا وهو اليهودي «إريك مورلي» وقد قام بإنشاء أول مسابقة لأجمل الجميلات قبل أكثرمن 50 عاماً للترويج لنشاطات شركته المتخصصة في اللهو المحرم وبيع الأجساد والترويج لنشاطات جنسية افتقرت لكل القيم والمعايير الإنسانية والأخلاقية!
إلا أنها توسعت وتطورت لحاجة المؤسسات المعنية إلى توصيفات ثانية لجميلات الكون، مبتعدة عن خطها اليهودي الذي رسمه مورلي، وصولاً إلى تقديم ما يمكن أن نسميه البحث عن الجمال الأنثوي في أجساد العارضات ووجوههن، وربما ثقافاتهن التي تعكس السائد من ثقافات شعوبهنّ، حتى وصلت شعبيتها لاستقطاب أكثر من ملياري مشاهد عبر شاشات التلفزيون. لتكون الحدث الأبرز في فن الجمال العالمي.
فملكة جمال العالم (حيََّّ طٌُْل) هي مسابقة تعقد سنويا في احدى مدن العالم، حيث تتبارى فيها فتيات يتم اختيارهن كملكات للجمال في بلدانهن، للحصول على هذا التاج الملكي الذي صار الوصل اليه حلماً من الأحلام المستحيلة لصبايا وشابات من كل أرجاء العالم، فالتاج يعني الشهرة الفائقة والأموال الطائلة والنجومية الجاهزة، ومحط الأنظار لفرسان الأعراس من ذوي الجيوب المنتفخة والشيكات المفتوحة، من الأثرياء والمشاهير.
نظمت مسابقة ملكة جمال العالم للمرة الأولى في المملكة المتحدة من قبل ايريك مورلي عام 1951 و حاليا زوجته جوليا مورلي هي الرئيس المساعد لمؤسسة ملكة جمال العالم. وتعد مسابقة ملكة جمال العالم هي أقدم مسابقات الجمال الدولية التي مازالت مستمرة حتى الآن، كما أن حفلها الرئيسي السنوي يشاهده أناس عبر البث التلفزيوني في حوالي 200 دولة حول العالم.
وللمعلومات فإن بث المسابقة عبر التليفزيون كان لأول مرة عام 1959 عبر تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية «» ووصلت نسبة المشاهدين إلى ذروتها في التسعينات، حيث صار يشاهدها قرابة الملياري نسمة حول العالم من جميع البلدان تقريبا..ترقباً لجميلة الموسم وملكته الفاتنة وانتشاء برؤية الجمال الخلاب الذي يظنه الكثيرون انه الجمال اللانهائي لشابة اكتسبت درجة الملكة عبر «شروط» دقيقة جداً لا نفهم الكثير منها!
الملكة في اختباراتها المتعددة
هناك مسابقتان عالميتان للجمال وهما ملكة جمال العالم، وملكة جمال الكون. تترشح لكل مسابقة مشاركات تمثل كل واحدة منهن دولتها وتتم إقامة عرض أولي للمتسابقات بلباس البحر لكي تتأكد اللجنة أن مواصفات الجسم «صحيحة» تماماً وأن المتسابقة لا تخفي ولو عيباً بسيطاً في جسمها.
كما أن ذلك ضروري لكي تتأكد اللجنة من مدى جرأة المتقدمة وثقتها بنفسها! ثم تتم إقامة عرض آخر بلباس السهرة، بعده يتم العرض النهائي وفيه يتم سؤال المتسابقة من قبل اللجنة عن شتى الأمور لإختبار سرعة بديهيتها وثقافتها العامة.
ثم يتم فرز أفضل عشر متسابقات ويجبن عن بعض الأسئلة ويقمن باستعراض ما لديهن من فنون - كالرقص أو الغناء أو العزف، ثم تتم تصفية العدد إلى ثلاثة يتم اختيار الملكة منهن والوصيفة الأولى والثانية.وقد قيل إن في لجنة التحكيم «خبراء» عميان لا يرون الجميلات ولكنهم يقدرون «الجمال» عبر أصواتهن اثناء طرح الأسئلة، وهؤلاء العميان خبراء نفسيون قادرون على استلام شفرات الصوت لفتيات المسابقة وتقدير حلاوة الأجوبة لا حلاوة الصوت حسب، في الكشف عن جزء مخفي من ثقافة المتقدمات للمسابقة!
19 عملية تجميل فقط!
من الأشياء التي أثارت غضب المتظاهرين ضد مسابقة الجمال في قبرص أن إحدى المشاركات وهي ملكة جمال البرازيل قامت بإجراء 19 عملية تجميل فقط من أجل الفوز بمطابقة المقاييس...
يخلعن أضلاعهن!
من العمليات الخطرة التي تقوم بها بعض الطامحات للقب أن يقمن بإزالة الزوج السفلي من أضلاع الصدر في عملية جراحية خطرة حتى يضيق الخصر أكثر وتصبح أكثر مطابقة للمقاييس العالمية في مثل هذه المسابقات!
وارد السالم



