الخريف.. ضحكة الذهب ليس إلا، ولكنه الذهب الذي يشهد على فضله، وقد لاحت «طلائعه» رنينَ الطبيعة الأجمل لمن يحسن الإصغاءَ إلى موسيقاها في دورتها السنوية بوحَ المنتَظَر على صعيد كوني وباسم الطبيعة هذه.

ثمة موقف سلبي من الخريف المقفر من الجمال كثيراً، يتركز على الجاري فيه طبيعياً تأكيد خاطئ على أن عذوبة الجمال تتبدى في المتواري عن النظر أكثر، والخريف مستباح له جهلاً. إن الطبيعة وهي تدخل في حالة مغايرة من جهة سقوط أوراقها وتغيرات الطقس، وما يرافقها من كآبة وانقباض عند الكثيرين تذكير لهم بما يمكن أن يكونوا عليه وقد تقدم بهم العمر.

كل فصل قائم بذاته، لا جمال في فصل دون آخر كما في حال الربيع. إن ذلك عائد إلى انطباعنا القاصر عما نشعر به خريفياً ونحن نتحدث عن خريف العمر، عن خريف الفكر ليكون الخريف بدوره دخولاً في حداد العمر، حداد الفصول بالذات وما في ذلك من تعسف يحمّل الخريف ما ليس فيه!

لماذا لا يكون الخريف اعتراف الفصول بما تميزت به، بحقيقتها؟ لماذا لا يكون الشجر المتعري من أوراقه استعداداً لدورة طبيعية جديدة؟ لماذا لا تكون التغيرات التي تعني الخريف استعداد دخول في سنة جديدة؟

لماذا لا يكون الخريف عالماً قائماً بذاته لا يحتاج لقباً لتمييزه؟ حيث لا يمكن اللجوء إليه لتوضيح حقيقة ما كما في مرحلة عمرية مقبلة! لأن ما هو خريف كما هو مألوف بصفات معينة في مكان ليس كذلك في سواه، وهذه بداهة!

يمكن الحديث عن الخريف على أنه المشهد الطبيعي للمفارقات في سفور عناصرها، ويكون التفاوت الشجري المعقود طبيعياً أو الأرضي في الكساء والغطاء مهارة الطبيعة في إبراز فنونها التي يسعى الإنسان إلى تأطيرها!

الخريف: ضحكة الذهب ليس إلا، ولكنه الذهب الذي يشهد على فضله، وقد لاحت «طلائعه» رنينَ الطبيعة الأجمل لمن يحسن الإصغاءَ إلى موسيقاها في دورتها السنوية بوحَ المنتَظَر على صعيد كوني وباسم الطبيعة هذه.

إن اقتباس الخريف واعتباره استعارة مأساة لعمر قارب نهايته، حصيلة التفكير المتقطع، الشعور المصطنع الذي يدل على خلل في العلاقة مع كيفية ولادة الإنسان وموقعه في الطبيعة وهو في مراحله العمرية، والتشبيه السيئ الذي يشد الطفولة إلى الربيع، والشيخوخة أو الكهولة إلى الخريف، وكأن دورة الفصول هي تلك التي تتم فقط في بلادنا، إذ يسهل التمييز بين فصل وآخر بينما الآخرون فلا شأن لهم بحقيقة التمييز بين الخريف وبقية الفصول، حتى بالنسبة لنا في تفكيرنا المنفعي الضيق تماماً، نسقط رغباتنا على مجريات فصل لا تعنيه كله، على نضج ملحوظ وعطاء لا يتوقف، يكون الخريف هو شاهداً على عافيته على روعة المتحصَّل فيه!

إن الخريف ليس هو الآتي، أو ما نتحرك نحوه دون رغبة منا، ليس هو الخروج من نعيم الطفولة، والدخول القسري في «ثكنة» الكهولة، إنما هو السير بإيقاع الفصول معاً، حيث الخريف يُشعَر به منذ البداية تقديراً!

في الطباق الطبيعي للسنة المألوفة بفصولها الأربعة، يكون الخريف علامة لونية تصدم العين، كما هو المقدَّر موسيقياً ونحن نمعن النظر في أجسام طبيعية تغتسل بالرياح وتستسلم لوهج الشمس ولعبة ستائر العتمة..!

في الأوراق المتساقطة يمكن لمرهف الإحساس والشعور وحده، معايشة العمق السيمفوني لهذا النبض الخارجي، لسلسلة الغمزات الطبيعية، وارتعاشاتها، كيف أنها تهتدي إلى صواب غير مشار إليه في المتداول بيننا عنه!

لنقل إن الخريف هو انتفاضة الجسد، تجلّي الجسد الطبيعي بحركة تكشف كثيراً عما يلهمنا فيما بعد!

قد يكون الخريف حكواتيَّ الفصول الأخرى، الرواية الأخيرة في سلسلة الأزمنة المتعاقبة، ساعة دقاقة تضع الفصول قاطبة في المشهد الحي لطبيعة لا أول ولا آخر لها، حيث يستحيل الخلط لئلا يكون هناك إمكان وضع علامات جمالية أو ذوقية، لكل جهة أو جانب، لأن ذلك من شأنه أن نتلمس في الخريف كما في كل فصل آخر، ما لم يُزَح عنه النقاب في الحالات السابقة بسبب عنصر التفضيل.

الخريف كغيره يتكتم على أسرار هي مناقبه المسجَّلة باسمه، لا يُباح باسمه ولو بالتلميح، إلا لحظة النظر فيه باعتباره فصلاً مستقلاً دون عزله عن سواه.

إن مصنّفي الفصول لا يرعوون في الغالب عن اللجوء إلى الأرقام والجداول والعلامات الفارقة، ليسهل عليهم تفهم كل جزء على حدة، وكأن المجزأ يفسح لهم المجال لمكاشفة الحقيقة الجامعة بين مجموع الأجزاء وهي في كليتها.كأن اللجوء إلى التشبيه وتسجيل قيمة لكل فصل، يطوّع الخريف وغيره في خدمة الفاعل، وهذا وهم كما هو الجاري.

الخريف هو الخريف، وكل صفة تضيق عليه، والسعيد هو من ينظر فيه خلاف المعتاد، ليتمكن بالتالي، لا بل قبل كل شيء من أن يهنأ نفسياً، وهو يعيش صدى الفصول المشتركة الدائم داخله، والخريف في الواجهة، ليسهل النظر في الذات على أنها معززة بجمال الخريف، كما هو المنعَش في الحديث عن الربيع بجماله وسواه!

أبراهيم محمود