كانت الحكاية وليدة التجمعات الإنسانية قديماً حيث الزمن مشاع خصب لتنامي الخيال الذي يتخذ من صراع قوى الخير والشر مدخلاً لبناء قصة تحبك معانيها نحو قيم الخير والتسامح، حيث يمكن للخيال أن يصوغ رحلة شفوية مليئة بالأحلام والعبر تقود الأجيال إلى طرق من التجارب الناضجة لمن خبر الحياة أولاً وهاهو ينقل حكمته إلى غيره عبر حكاية شعبية.
الحكايات الشعبية عموماً هي أقدم الموضوعات التي ابتدعها الخيال الشعبي، تتجلى فيها حكمة الشعب، ونتائج ممارساته ومعايشته للحياة وهي خلاصة تجارب الأجيال مصاغة في قالب قصصي مشوق، زاخر بالعبر والقيم النبيلة فالحكاية تسمع ثم تكرر بقدر ما تعيها الذاكرة وقد يضيف الراوي الجديد إليها شيئاً أو يحذف منها أشياء وقد تروي مرة أخرى كما هي دون حذف أو إضافة وان أصابها بعض التغيير من تقديم أو تأخير بعض الفقرات وقد تدون هذه الروايات ويتناقلها البعض عن طريق السمع أو القراءة.
لقد كانت الشعوب تجد في الحكاية قيم المجتمع وفضائل الحياة وغرائب الطبيعة، حيث تشدهم بطريق غير مباشر أحداث البطولة ومغامرات الشجاعة إلى اعتناق وممارسة قيم البطولة وعاداتها وأنماط السلوك الفاضل، كما أنها تقوم بدور تربوي بجانب المتعة الفنية التي تقدمها للسامعين، كثيرا من كان الأطفال يغفون وهم يصغون إلى الحكاية في آسرتهم، ونادراً أن نجد أماً لا حكاية لديها ترويها قبل النوم، لأن الحكاية ارتبطت غالباً بتوجيه النشء وتأصيل المبادئ والأعراف وتفتيق الذهن وتوسيع الخيال، وهو ما تسعى إليه جميع الأمهات.
رغم ان الحكاية تحمل في جوانبها بقايا من الأساطير والمعتقدات الشعبية لكنها مليئة بالمعاني الإنسانية التي ينتصر فيها الخير على الشر، ولعل حكاية «ليلى والذئب» من أبرز الأمثلة التي عبرت الزمن والحدود لتعيش في المستقبل، وصولاً إلى أجيال جديدة، لكن ما يخشى منه هو تلاشي فكرة الحكاية الشعبية في ظل كل تلك التكنولوجيا غير المنظمة التي تحيط بنا في بيوتنا وتحيل دور الراوي إلى التقاعد و«ليلى والذئب» إلى النسيان.
