تتبنى ناديا حمور في كتابها « أوروبا والعالم العربي» التسلسل التاريخي لهذه العلاقة الممتدة من مطلع القرن العشرين خصوصاً تلك التي اتسمت بالعلاقة بين الإمبراطورية العثمانية والعالم العربي التي كانت ذات طابع تعددي على المستويين الاثني والثقافي.

لكنها كانت قد فرضت نفسها على العالم العربي منذ القرن السادس عشر عبر عدة حملات عسكرية. كان هناك تمايز في علاقة الباب العالي بين منطقة عربية وأخرى. وهذا ما تشير إليه المؤلفة بالنسبة لكل من شمال إفريقيا العربي ومصر وشبه الجزيرة العربية.

ومع بوادر استسلام الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى ظهرت بوادر تدخل القوى الأوروبية. خاصة ان هذه القوى كانت قد عززت من نفوذها الاقتصادي وبالتالي من سيطرتها في عدة مناطق عربية. بالتوازي قامت منافسات شديدة بين القوى الأوروبية نفسها الطامعة في مد نفوذها وبرزت عبر ذلك «المسألة الشرقية» على خلفية تقسيم الإرث العثماني حتى قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية نفسها.

وتعتبر ناديا حمور أن «الإمبرياليات الأوروبية قد انتصرت في العالم العربي خلال سنوات 1914-1939» وحيث كان العرب قد انحازوا خلال الحرب العالمية الأولى للحلفاء في مواجهة «المحور» الذي كانت الإمبراطورية العثمانية إحدى قواه. وكانت فرنسا وبريطانيا القوتين الأكثر حضوراً في العالم العربي. وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين كي تؤكّد على وجود مقاومة حقيقية آنذاك ضد الهيمنة الغربية.

وفي ذلك السياق نشطت الحركات الصهيونية بالتوجه إلى فلسطين بعد أن كان بلفور البريطاني قد أطلق وعده بـ «وطن قومي لليهود» فيها، لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 وخلال فترة استمرارها حتى عام 1945 انحسر الدور الأوروبي في بلدان المشرق العربي خاصة مع احتلال القوات النازية لفرنسا عام 1940. بنفس الوقت برزت الولايات المتحدة الأميركية كـ «زعيمة» في المنطقة العربية، وكان قيام الكيان الإسرائيلي في فلسطين عام 1948، أي «النكبة».

وتتحدث المؤلفة عن «نهاية الإمبراطوريات الأوروبية والبناء الأوروبي 1954-1962». وتشير إلى أن الحضور الأوروبي في العالم العربي تعرّض لتهديد حقيقي كبير خلال الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية. ذلك أن استقلال سوريا والعراق وليبيا وتجذّر الحركات القومية في شمال إفريقيا هزّ جديّاً قوة أوروبا. وكانت حملة السويس ضد مصر عام 1956 بمثابة الإعلان على الانحسار الأوروبي الحاسم.

لكن ذلك الانحسار الحاسم للوجود الأوروبي في العالم العربي تواكب مع «الانتقال من نهاية الاستعمار إلى التعاون»، كما تشرح المؤلفة مؤكدة أنه بالتوازي مع نهاية الاستعمار بصيغته القديمة بدأت أشكال من التعاون الأوروبي ـ المتوسطي، بل وترى أن العلاقات بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية والدول العربية المتوسطية تعود إلى فترة تشكّل تلك المجموعة.

وتتناظر سنوات 1988-1995 مع فترة «البحث عن الأمن في حوض المتوسط»، ذلك أن هذا الحوض شكّل، تاريخياً، منطقة للنزاعات. كما كان باستمرار مسرحاً لاستراتيجيات تتعدّى تماماً الأبعاد الإقليمية، ذلك أنه عند ملتقى قارات ثلاث هي أوروبا وآسيا وإفريقيا. ثم إن الوجود العسكري في البحر المتوسط لا يقتصر أبداً على البلدان المجاورة له ولكن هناك قوى أخرى وأساطيل أجنبية موجودة فيه باستمرار.

وتدرس ناديا حمور «العلاقات الأوروبية ـ العربية في إطار العولمة 1995-2008». التي تمثّل التعبير الأوضح لهذه العلاقات في محاولة الوصول إلى شراكة أوروبية ـ متوسطية جسّدتها «مسيرة برشلونة» التي انطلقت عام 1995 والتي كانت ذات نتائج متواضعة.

إنها لم تحقق تقدماً كبيراً على المستوى الاقتصادي.

وكانت محصلتها «شبه معدومة» على الصعيد السياسي. هكذا جاء مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» في منظور بناء أسس جديدة للتعاون بين بلدان حوض المتوسط. مبادرته فرنسية أطلقها الرئيس ساركوزي، واستقبلتها دول جنوب المتوسط بمواقف متباينة.

وتشرح ناديا حمور «التحديات الأمنية في حوض المتوسط»، في الفصل ما تعتبره تحديات المستقبل الأوروبية ـ العربية وفي مقدمتها تمايز التنمية والتحدي الديموغرافي ومسألة الهجرة، بالإضافة إلى التحديات المتعلقة بالهوية والثقافة والأمن، وقبل كل شيء قضية السلام في الشرق الأوسط.

الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ 1914

تأليف: ناديا حمور

الناشر: ايلليبس باريس 2009

الصفحات: 248 صفحة

القطع: المتوسط

L'Europe et le monde arabe depuis 1914

Nadia Hamour

Ellipses - Paris 2009

248P.