يبحث ستيفان فاكير في كتابه «بالتازار غراسيان» الكياسة أو فن العريش في مجتمع، في العلاقة بين «الذوق» و«الأخلاق» و«المنفعة» لان بعض الأسماء التي كان لها مساهماتها الكبيرة في تاريخ الفكر الإنساني ولكنها بقيت غير معروفة سوى بالنسبة للمهتمين والدارسين المختصين، ومن هذه الأسماء «بالتازار غراسيان» الذي عاش في القرن السابع عشر. وُلد عام 1601 وتوفي عام 1658.
«الكياسة» التي دعا إليها «بالتازار غارسيا» هي نوع من المبدأ المطلوب منه أن يحكم سلوكيات الأفراد. ذلك أنه ينبغي على هؤلاء الأفراد، في إطار العلاقات بينهم وبين الآخرين، أن يتبنّوا المعايير المشتركة السائدة «الذوق السليم» وأن يستجيبوا بنفس الوقت لما يجيش في أعماقهم «الذوق الشخصي».
وعلى أساس تحديد ما هو في مصالحهم وما هو في غير مصالحهم يتصرفون بهذه الطريقة أو تلك. وهذا يعني أن الأفراد يتصرفون على غرار الدول التي تقيس أولا بأول «مصالحها» قبل أن تتبنّى هذا السلوك أو ذاك.
وبهذا المعنى أيضاً يحتوي مفهوم «الكياسة» على الكثير من المفارقة، بل ومن التناقض. لكن هذا لا يمنع أنه يعبر عن «فن العيش في المجتمع» دون تحديد أية «منظومة أخلاقية ملزمة»، ذلك أن القواعد التي يتأسس عليها هذا «الحس الحضاري» لا وجود لها خارج العلاقة بين الأفراد ولها علاقة عضوية بنفس الوقت باللعبة الاجتماعية ذاتها.
بهذا المعنى يرى «ستيفان فاكيرو» أن «الحس الحضاري الاجتماعي» موجود في أصل المجتمع المدني المحكوم بنوع من الليبرالية الأخلاقية و«توازن المصالح».
ومفهوم «الكياسة» كان يتم التعبير عنه خلال القرون الوسطى بـ «الملاطفة» أو «المجاملة» الاجتماعية وهو الذي يعني اليوم إلى حد كبير مفهوم «الحضارة». وقد تناظر التطور التاريخي لهذا المفهوم مع تطور مفهوم التقدّم. أما على صعيد التطور الاجتماعي فقد رافق صعود «الأرستقراطية» مقابل المجموعات الاجتماعية الأخرى. بكل الحالات خضع مفهوم «الحس الحضاري» لتحولات عديدة تبعا للحقب والعصور التاريخية.
ويحدد ستيفان فاكيرو الهدف الأخير لهذه الدراسة بأمرين أساسيين. من جهة، إظهار أن هناك إمكانية لإيجاد نوع من الربط التمفصل- بين الذوق الشخصي- والمصلحة العامة، أو المجتمعية.
وهذا ما يتم تلخيصه بمفهوم «مصلحة الذات» التي تجمع بين الأنا «الشخصية» و«الأنا» الجمعية. ومن جهة ثانية تحديد شروط انبثاق مفاهيم «الحرية» بأشكال ممارسة البشر في حقب تتسم بقدر كبير من التقييد و«الكلاسيكية». وذلك على غرار الفترة التي طرح فيها «بالتازار غراسيان» أفكاره في القرن السابع عشر «الكلاسيكي».
ليس المهم في هذا السياق دراسة هذا الجانب أو ذاك من «الحس الحضاري»، في النزوع «الفردي» إلى التحرر في مواجهة «الصرامة» الكلاسيكية التي تفرضها المنظومات الاجتماعية، ولكن المهم بالأحرى هو دراسة التداخل والتمفصل بين الجانبين، بحيث يتم تحقيق درجة من «التوازن» في السلوك الإنساني نفسه.
ويحتوي الكتاب، فضلا عن التحليلات التي يقدمها، الكثير من التعريفات ذات القيمة القاموسية الكبيرة مثل «العصر الكلاسيكي» و«الأسلوب الباروكي» الذي ساد في القرن السابع عشر ودلّ آنذاك على أسلوب فنّي وتميّز بالحركية والحرية في الشكل والتعبير، مخالفا بذلك الأسلوب الاتباعي الذي كان يتماشى مع روح ذلك العصر.
الكتاب: بالتازار غراسيان الكياسة أو فن العيش في مجتمع
تأليف: ستيفان فاكيرو
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2009
الصفحات: 340 صفحة
القطع: المتوسط
Baltasar Gracian La civilité ou l'art de vivre en société
Stephan Vaquero
PUF 2009
340P.
