ما تؤكده باتريسيا فارا في كتابها «العلم، 4000 سنة من التاريخ» هو أنه رغم «أخطار» العلم، لا يمكن مقارنة إيجابياته مع سلبيات الجهل، ذلك أن العلم لا يزال يثبت نجاح مسيرته، بل و«سيطرته». فبواسطة العلوم يمكن اختراع الدواء الذي ينقذ حياة الملايين وتشغيل وسائل النقل، وعلى رأسها الطائرات، لاختصار المسافات وانفتاح العالم وإلى ما هناك من سلسلة طويلة من الإنجازات.

لكن العلم هو أيضا الذي قاد إلى اختراع القنبلة الذريّة التي استخدمها البشر «الأميركيون» ضد مدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين. مع ذلك كله يبقى الجهل هو الخطر الأكبر. وفي جميع الحالات يبقى الرهان الحقيقي هو الكيفية التي يتعامل فيها البشر مع العلم وثمراته.تؤكد باتريسيا فارا في تحليلاتها على ما تسميه «البعد الملحمي» للعلم منذ المعارف الفلكية التي بدأتها بابل القديمة وصولا إلى علوم الحياة والوراثة وفيزياء الجزئيات والذرات اليوم. لكن ما تقدّمه ليس توصيفا وسردا تاريخيا للكيفية التي تراكمت فيها المعارف العلمية عبر المسيرة الإنسانية، بل بالأحرى تركّز اهتمامها على «الطريقة التي جرت فيها قيادة العلم بالاعتماد على عوامل اجتماعية وسياسية».

وبشكل عام تحاول المؤلفة «إعادة قراءة» الماضي العلمي من أجل تقديم طرق جديدة لفهم المجتمعات التكنولوجية الحديثة.

ذلك من حيث إنها لا تكتفي بتقديم المعلومات بل تريد أن تدفع البشر نحو التأمل والتفكير حول آليات وطرق استخدام العلم الذي أصبح «ذا قوة هائلة». وضمن هذا المنظور تقوم المؤلفة أيضا بالحديث عن «المصالح المالية والطموحات الإمبريالية للنجاحات العلمية».

وعبر تقصّي المؤلفة لمسيرة تطور العلوم عبر التاريخ تعترض بشدة على المقولة السائدة التي يتم ترديدها كثيرا والخاصة بمفهوم التفوق العلمي الأوروبي.

وهي تركز في هذا السياق على أهمية المشاريع العلمية التي عرفتها مناطق عديدة في العالم وتكشف عن العديد من المساهمات الكبرى التي قدمتها الصين والحضارة الإسلامية في مكتشفات علمية يتم نسبها «حصريا» بشكل عام إلى كوبرنيك ونيوتن وداروين وغيرهم.

وتركّز باتريسيا فارا في العديد من تحليلاتها على الدور الكبير الذي لعبه قادة العالم الإسلامي في التاريخ بتشجيع العلم عبر بناء المكتبات والمستشفيات والمراصد الفلكية، كما تركز على مساهمات أوروبا العلمية خلال القرون الوسطى والتي يتم إهمالها إلى درجة كبيرة. تتم الإشارة هنا إلى أن المؤسسات الكنسية هي التي أمّنت استمرارية العلوم التي كان تعليمها يتم فيها عمليا قبل أن تتولاه بعد ذلك الجامعات.

وتبتعد باتريسيا فارا عن «التجريد» في شرحها كي تركز على القول إن العلم ارتبط بالممارسات في عالم الحرب والسياسة والصفقات والأعمال. بالتوازي لا يتم تقديم رجال العلم على أنهم «أبطال» مثاليون لم يكن يحركهم سوى دافعهم العلمي والمعرفي، بل على أنهم كانوا مجرد بشر عاديين يبحثون عن تحسين مستوى معيشتهم وأنهم ارتكبوا الكثير من الأخطاء ودخلوا في منازعات مع منافسيهم.

في المحصلة تؤكد باتريسيا فارا أن العلم يسيطر على الحياة الحديثة لكن «ربما أن العالم سوف يكون أفضل إذا قلّص بعض سلطات العلم وتخلّص من بعض نتائجه».

وبهذا المعنى لا ترى المؤلفة أن العلم كان باستمرار بمثابة نشاط «تقدمي» بالضرورة. ذلك أن المهم في كل الحالات هو طريقة ارتباط المعارف بالعالم الخارجي وتأثيراتها عليه. بل ولا تتردد المؤلفة أن تطرح مقولة مثيرة للجدل وهي أن مسألة سخونة الأرض ليست بعيدة عن «سيناريوهات» حصول الباحثين على المال.

الكتاب: العلم 4000 سنة من التاريخ

تأليف: باتريسيا فارا

الناشر: جامعة اكسفورد لندن2009

الصفحات: 432 صفحة

القطع: المتوسط

Science, a four thousand year history

Patricia Fara

Oxford University Press London 2009

432P.