مثل كتاب «تغذّى من العالم» لمؤلفه سيمون ماجومدار في أحد وجوهه دعوة إلى السفر والمغامرة. المهم هو «الاكتشاف»، فكل الأشياء مهما كانت صغيرة لها أيضا بعدها الكوني ـ اليونيفرسال- ويذكر المؤلف قارئه بين الحين والآخر أن مشروعه للقيام بجولة حول العالم على مدى عام لم يكن محددا في البداية.
ولكنه أراد ذات يوم أن «يكسر» الرقابة التي كانت تحيط بحياته والإيقاع اليومي الذي كان يقوده من منزله إلى مكتبه منذ بداية عمله وحتى بلوغ سن الأربعين. وبدافع رغبة الخروج من ذلك الإطار دوّن ذات يوم على ورقة عشرة مشاريع، كان آخرها السفر إلى كل مكان وتناول القليل من كل وجبات الأطعمة.
بعد سنوات من كتابة قائمة المشاريع تلك كان المشروع الأخير وكان «البحث عما هو لذيذ وما هو غريب»، وكان هذا الكتاب «تغذى من العالم».وتمتزج عملية توصيف الوجبات أحيانا بكتابة فيها الكثير من الشعر والرومانسية، وهي كتابة «يفرضها المكان»، كما يقول سيمون ماجومدار حيث أنه وجد نفسه ذات مرة أمام مشهد خلاّب لغروب الشمس في أرياف الفيلبين. إنه يتحدث عن «عبقرية» الألوان التي طغت على «عبقرية» الوجبة الغذائية في الوقت الذي كانت فيه هذه الثانية هي الهدف الأساسي، ولكن طغى جمال الطبيعة وفرض نفسه.
وما هو أبعد من وجبات الطعام ومن الأطعمة، وجد المؤلف نفسه مأخوذا في بعض المرّات بالبشر الذين استقبلوه واستضافوه في هذا البلد أو ذاك. هنا تطغى السمات الإنسانية على كل ما هو عداها حيث يتم التأكيد على وجود مجموعة من القيم الكونية التي تلتقي حولها كل الثقافات والشعوب مهما اختلفت معتقداتها. إن كرم البشر جعل كتاباته «أكثر إنسانية»، كما يقول.
ولعلّ من أهم سمات هذا الكتاب هو أن قارئه يجد نفسه «متنقّلا» بسهولة من بلد إلى آخر ومن التلذذ بوجبة طعام إلى التمتع بمشهد غروب الشمس أو شروقها في هذه البقعة من العالم أو تلك. وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يقدّم نفسه و«كتابته» على أنه أحد «ذوّاقة الطعام» فإن ما يكتبه في الواقع يتجاوز كثيرا إطار وجبات الطعام وصولا إلى الثقافات. ومن خلال هذه الوجبات يصف الأماكن والبلدان.
وفي المحصلة يقدم سيمون ماجومدار مجموعة من «اللوحات» المتراصّة لعدد كبير من بلدان العالم من خلال وجبات الطعام الرئيسية فيها. لكنه يروي بنفس الوقت «تجربة حياة» يعود فيها إلى ذكريات الطفولة البعيدة التي تثيرها هذه الوجبة أو تلك. بعض هذه الذكريات يثير الحزن عندما يحكي المؤلف عن وفاة أمه وقد تثير الابتسام أمام «تعاقبات» هذا الطبق أو ذاك، مثل ذلك الطبق الياباني المصنوع من السائل المنوي لسمك «المورو» الذي تناوله في مدينة كيوتو اليابانية.
وكذلك «من أكبر المفاجآت ذلك الشراب الذي تناوله في اورليان الجديدة بالولايات المتحدة» والذي يصفه بالقول: «إنه أسوأ شراب جرّبته في حياتي». ومن أقسى أحكام القيمة التي أصدرها قوله: «من بين جميع البلدان الآسيوية يبقى مستوى شروط النظافة والصحة الهند هي الأسوأ».
وقد قام سيمون ماجومدار بتوزيع مواد عمله هذا بين خمسة أقسام يحتوي كل منها قائمة من البلدان ومقابل كل بلد ما يدل فيها على وجبة طعام أو توصيفا يدل «هوية» مطبخها.
وتبنّى المؤلف تقسيما جغرافيا بحيث ضمّ القسم الأول «المملكة المتحدة بريطانيا- وأستراليا» والثاني «اليابان وهونغ كونغ والصين ومنغوليا وروسيا وفنلندة» والثالث «للولايات المتحدة والمكسيك والقارة الأوروبية عامة» والرابع لـ «بلدان آسيوية» لها باعها في حقل الغذاء مثل تايلندة وفييتنام والفيلبين والهند. وتحظى القارة الإفريقية وبعض بلدان جنوب أوروبا المتوسطية حيث «تنتهي كل الدروب إلى روما».
الكتاب: تغذّى من العالم
تأليف: سيمون ماجومدار
الناشر: فري برس لندن 2009
الصفحات: 304 صفحة
القطع: المتوسط
Eat my globe
Simon Majumdar
Free Press- London 2009
304P.
