ينطلق ستيفان اوسمونت في كتابه « سعيا وراء السعادة » من ملاحظة بسيطة هي أن البشر كلهم يجدّون في البحث عن السعادة التي أصبحت في واقع الأمر «مطلبا»، بل و«غاية حقيقية» في الحياة.

لكن هل يمكن بناء السعادة أو شراءها أو «تصنيعها»؟ وما يؤكده المؤلف هو أن مثل هذه التساؤلات المطروحة على ذهن جميع البشر تشكّل، رغم بساطتها الظاهرة، الشغل الشاغل لفروع كاملة في ميدان الطب النفسي والعصبي والعصبي-النفسي وفي ميدان علم الاجتماع، بل وفي الميدان الاقتصادي نفسه.

إن كل فرع من هذه الفروع يحاول أن ينجح في تحديد «العوامل التي تُطلق آليات سعادة الكائن الإنساني». وذلك عبر سبر مكامن شخصيته وتركيب «قشرته الدماغية» ووصولا إلى الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بحياته وتصيغ نمط عيشه واهتماماته.

الطريقة التي يعالج فيها المؤلف-الصحافي موضوعه هو أنه يضع نفسه في موقع من يعاني من مزاج سوداوي والذي يحاول أن «يعالج نفسه»، ولذلك يتوجه إلى الخبراء المعنيين «سعيا وراء السعادة، كما يقول عنوان الكتاب.

وهكذا يذهب إلى ملاقاة دافيد سرفان-شرايبر، أحد المرجعيات الطبية في ميدان العلاج النفسي. وينقل عنه قوله: «إن نوعية العلاقات الإنسانية تساهم بقدر أكبر بكثير من المال ومن الثراء المادي في الوصول إلى السعادة. ذلك أن الإنسان هو كائن اجتماعي أولا».

ويرى هذا العالم النفساني الكبير أن «العزلة» هي أحد أكبر الأخطار المهددة للسعادة. ويذكر كيف أن «القرود» عندما تصل إلى سن البلوغ يتم فصلها عن مجموعتها الأصلية وتركها وحيدة في الغابة كي «تندمج» مع مجموعة أخرى. هذه الفترة الانتقالية تستمر قرابة ثلاثة أشهر يزداد فيها معدّل احتمال موتها بنسبة 50 بالمائة، كما دلّت دراسات علمية عديدة. البشر فيهم، كما يرى، شيئا من هذه الخاصية إذ «نعرف أن رفض الآخرين لنا قد يدفعنا نحو موتنا. لذلك نحن دائما في غاية الحساسية حيال طبيعة علاقاتنا في العمل والمنزل وداخل الأسرة ومع الأصدقاء، ذلك أن الأمر متعلق ببقائنا».

وما يؤكده ستيفان اوسمونت هو أن السعادة أصبحت «شاغلا اجتماعيا». وإذا كان رجال العلم وخبراء الاقتصاد يحاولون «قياس» جرعة السعادة لدى البشر ويحددون معاييرها بدقة، فإن هناك «جحافل» من أولئك الأكثر بساطة الذي «يجرون وراءها» والبحث عن أفضل الوسائل للحصول عليها. وينقل ستيفان اوسمونت عن تحقيقات وإحصائيات قام فيها الباحث الهولندي:

«روت فنهونن» قوله أن الفرنسيين يحتلّون ما بين المرتبة 39 والمرتبة 45 من بين أكثر الشعوب سعادة بسبب كون أن مجتمعهم «لا يزال استبداديا ومغلقا ويتميّز بدرجة عالية من التراتبية الاجتماعية، ويمتلك قدرا أقل من الثقة بالنفس ومن التسامح بالقياس إلى ما هو سائد في البلدان التي يعرف أهلها درجة أكبر من السعادة مثل الدانمارك».

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن مسألة السعادة أصبحت أحد أكثر الملفات «جديّة»، بل وأصبحت «قضية تخص الدولة». هذا ما يدل عليه بوضوح كون أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد عهد إلى اثنين من الفائزين بجائزة نوبل للاقتصاد هما الأميركي «جوزيف ستيغلتز» والهندي «امارتيا سن» بمهمة التفكير حول سبل تحقيق نمو اقتصادي يأخذ في اعتباره «الإحساس بالسعادة الاقتصادية».

ثم إن السعادة غدت إحدى «مشاكل الأغنياء» في البلدان الاستهلاكية المتقدمة التي حققت «حالة من الاكتفاء ومن الرفاهية» - حسب تعريف قاموس «لاروس»-. وتحاول تجارة «بزنس» تأمين «العيش الرغيد» أن تجعل منه «منتجا ضروريا» بقصد «تسويقه». بكل الحالات الفقراء في هذه المجتمعات لديهم «مشاغل أخرى».

ويفتح ستيفان اوسمونت في هذا السياق قوسين كي يشير إلى «أثر إيجابي» ما للأزمة العالمية الراهنة على السعادة، هذا رغم ما يؤكده الأخصائيون عن أنها تؤدي إلى «انخفاض السعادة الجماعية». لكن المؤلف يرى أن الأزمات «تولّد أشكالا جديدة من التصامن وتحوّلا في الأولويات الشخصية لصالح تحسين موقع الأسرة والأصدقاء على حساب العمل والنجاح الاجتماعي. وتؤدي إلى تنشيط حس التأمل والقراءة اللذين لا يكلّفان شيئا ويجلبان قدرا كبيرا من السعادة».

ويرى «باسكال بروكنر»، الكاتب والفيلسوف الفرنسي، أن «توسع الرأسمالية ترافق مع ثروة فردية تقول إنه ليس هناك عائق بيني وبين سعادتي، إلا أنا نفسي. لقد أصبحت إذن المسؤول الوحيد عن سعادتي وعلى إيجاد السبيل كي أكون سعيدا».

الكتاب : سعيا وراء السعادة

تأليف: ستيفان اوسمونت

الناشر: البان ميشيل باريس 2009

الصفحات: 196 صفحة

القطع المتوسط

A la poursuite du bonheur

Stéphane Osmont

AlbinMichel Paris 2009

196P.