في إسهام متميز وجديد له أصدر الدكتور عارف الشيخ كتابا جديدا بعنوان «الوردة.. في تخميس اللامية وتشطير البردة». ومن خلال الكتاب يقوم المؤلف على مهمة بالغة الصعوبة وهي البناء على ما قاله الغير دفاعا عن البوصيري صاحب البردة والذي ولد عام 1211 ونشأ في أبوصير وتوفي عام 1294 بالإسكندرية.
والبوصيري الذي تفوق شهرته الآفاق من أهل الطرق وترك آثارا شعرية عديدة منها إلى جانب البردة «أم القرى في مدح خير الورى»، «تخريج الشدة بتسبيع البردة»، «الجواهر المضية لحل ألفاظ الهمزية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم». ويعمل المؤلف على درء الشبهات التي أحاطت ببعض ما أورده البوصيري في قصيدة البردة المشهورة.وحسبما يشير الدكتور عارف الشيخ فإن للكتاب قصة بالغة الأهمية تكشف عن اهتمامه الكبير بالبوصيري وشعره وهو الاهتمام الذي لم يأت من فراغ، وإنما يعبر عن ملكة الشعر الكبيرة لديه. ووفقا للمؤلف فقد جاء عزمه على القيام بمهمته إثر رؤيته للبوصيري في المنام بداية عام 2007 على هيئة رجل من صعيد مصر يلبس الجلابية المصرية وطاقية كطاقية الشيخ الشعراوي.
وقد وجده يمشي متضايقا من أمر وهو يقول: والله ما قلت شيئا خطأ، لكن ألا يوجد من يقول كلمة الحق؟ وهنا انتبه من النوم. وعندما أخبر زوجته كان تفسيرها أنه ربما كان مطلوبا منه كشاعر أن يقول كلمة توضح للناس موقف البوصيري وتبرئه من المظالم التي ألحقها به الناس. وبما أن الغائب حجته معه فربما هو مظلوم ويتأذي في قبره من هذه التهم التي تتجدد بين الحين والآخر.
عندئذ بدأ الدكتور عارف الشيخ في تشطير البردة علما بأن البردة قام بتشطيرها ومعارضتها شعراء كثيرون في المشرق والمغرب، وإن كان الشيخ يأمل أن يكون تشطيره هو الأوضح في الدفاع عن البوصيري الذي لا تطاوعه نفسه على القول بأنه مات على الشرك.
وفي معرض تأكيده لوجهة نظره يقول المؤلف: كيف يموت مشركا وهو يدافع عن الرسول في بردته وهمزيته ويحذر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيما وقعت فيه النصارى من عقيدة الثالوث المعروفة.
وعلى ذلك يشير المؤلف في معرض توضيح نهجه للقارئ إلى أنه عالج الأبيات التي يلاحظ فيها بعضهم الخلل وكتب ذلك على لسان البوصيري نفسه حتى استقام اللفظ والمعنى. بمعنى آخر فالشاعر المؤلف في مهمته الخاصة بالتشطير قام بتقدير الكلام المحذوف الذي تتضمنه الأبيات المذكورة.
وحسب الدكتور أحمد حسن فرحات في تقديمه للكتاب، فإن صعوبة المهمة التي قام بها الدكتور الشيخ تبدو من حقيقة أن ما قاله الغير تبدو أصعب من التأسيس، فالمؤسس له حرية كاملة فيما يقول وكيف يقول أما في حالة البناء على قول الغير، فإن الشاعر مقيد بقيود لا يمكنه التخلص منها وهنا تظهر مقدرة الشاعر وتمكنه من أهلية التصرف في القول.
فضلا عما سبق فإن أهمية العمل الذي قام به المؤلف تأتي من أن بردة البوصيري أثارت جدلا كبيرا بين الناس، فمن مؤيد لها معجب بها ومن ناقد لها مشكك في اعتقاد صاحبها نظرا لتلك الأبيات المبالغ فيها في صفة النبي صلي الله عليه وسلم.
ومن الأمثلة التي يمكن للقارئ أن يجدها في الكتاب من خلال إشارات المؤلف نفسه ذلك البيت الذي وقف عنده بعض العلماء والذي يقول:
إن لم يكن في معادي آخذا بيدي
فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
ثم ينقلنا المؤلف إلى لامية ابن الوردي وهو شاعر وأديب وفقيه ولغوي ولد عام 1292 وتوفي بحلب عام 1349. وعلى غرار البردة فإن اللامية خمسها وشرحها الكثيرون كذلك.
لعل الدكتور عارف الشيخ بهذا العمل المهم يكون قد ساهم، كما يعبر الدكتور أحمد فرحات في المقدمة، في إغلاق باب الخطأ في الفهم الذي قد يتبادر إلى الأذهان وجعل قصيدة البردة على المعنى المراد دون الإخلال بالأصل المذكور، ودفع في الوقت ذاته عن البوصيري باب القذف والاتهام وجمع قارئي البردة على كلمة سواء وأرضي الشاعر المستغيث لقوله الحق.
الكتاب: الوردة في تخميس اللامية وتشطير البردة
تأليف: د. عارف الشيخ
الناشر: المؤلف دبي 2009
الصفحات: 240صفحة
القطع: المتوسط
مصطفى عبد الرازق

