يحاول كتاب «السينما المستقلة في مصر» لمؤلفيه أحمد حسونة ومحمد الأسيوطي أن يقدم جردة حساب لهذا القطاع المنسي، واخراجه من دائرة الاهمال المتعمد وتسليط الضوء على الانجازات التي حققها عبر مسيرته الطويلة والدؤوبة، وفي محاولة لكسر النمطية السينمائية الإنتاجية السائدة أمام أجيال السينمائيين الجدد، نظم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في عام 1988 بانوراما حول السينما الأميركية المستقلة.

ورغم تلك الجهود البسيطة، ظل الاتجاه «للسينما المستقلة» مجرد مصطلح ومعلومة لا تؤثر في الواقع السينمائي المصري، وإن كانت هناك بوادر أولى عن السينما المستقلة ولكن تحت مسميات أخرى، تعد اشكالا تمهيدية للسينما المستقلة.وتبلورت تلك الإرهاصات الأولية للسينما المستقلة من خلال الورش والدورات التدريبية التي قدمتها ثلاث مؤسسات ثقافية هي مؤسسة بروهلفسيا (سويسرا) وقصر السينما (مصر) وأخيرا معهد غوته (ألمانيا) في القاهرة.في عام 1990 نظمت مؤسسة بروهلفسيا الثقافية السويسرية أول ورشة للفيديو آرت، وفي مصر كان للمؤسسة الثقافية الفضل في تعريف الفنانين بهذا اللون الوافد الجديد الذي ليست له علاقة عادة بفناني السينما وضمت الورشة الأولى في صفوفها نخبة من المشاركين منهم معدا الكتاب (احمد حسونة ومحمد الأسيوطي)، ووجيه جورج، واحمد ماهر، منير العمدة، أسامة خليل، سميح منسي، منى ربيع، وعادل يحيى وآخرون.

وبعد مرور سبع سنوات على أول ورشة للفيديو آرت في مصر. أفرزت هذه الدراسة أجيالا عديدة ممن عملوا في مجال الفيديو آرت وقدموا معرضاً جماعياً في قاعة الفنون بالهناجر اشترك به كل من أيمن خوري ومحمد عبلة واحمد حسونة وحسن خان وإيهاب عبد اللطيف وآخرين.

وإذا اعتبرنا أن هذا الكتاب هو أول محاولة لسرد وتوثيق بداية السينما المستقلة وتطورها في مصر، فيجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبه «غاليري تاون هاوس» في تطوير فن الفيديو آرت في مصر، وجهود مديره «وليم تل» الذي آمن بهذا الاتجاه الفني، وقام بمساندة الشباب من الفنانين، وذلك من خلال توفير فرص عديدة لإنتاج وعرض أعمالهم.

وقد قدم قصر الثقافة في القاهرة دورات على أربعة أقسام هي الإخراج والسيناريو والتصوير والديكور، ويعد المخرج سمير سيف أول من اشرف على دورات الإخراج بقصر السينما ثم توالت فيما بعد أسماء سينمائيين آخرين على هذه الدراسات الحرة. وقد تم إنتاج أول فيلم من خلال دورات قصر السينما عام 1991 بعنوان «رف الحمام» إخراج أيمن خوري.

ولم يبق في الحديث عن الجهات التي ساهمت في بلورة السينما المستقلة في مصر سوى معهد غوته والذي يعد دوره هنا محدوداً بالقياس بدور كل من مؤسسة بروهيلفسيا وقصر السينما، إذ اقتصر نشاطه على خريجي معهد السينما إلا أن هناك تجربة مهمة يجدر الإشارة إليها، وهو فيلم «أنت عمري» للمخرج خالد الحجر والذي شاركت في بطولته عبلة كامل واحمد كامل وتم تصويره بـ 16 مم وذلك في إطار ورشة الطلبة لمعهد السينما وكان خالد الحجر المخرج الوحيد الذي لم يكن طالباً بالمعهد، ونجح خالد في شق طريقه بعد ذلك من خلال دراسته بإنجلترا ثم عودته إلى مصر ليخرج أفلاما روائية طويلة.

ومؤخراً، وفي السنوات الخمس الماضية، بدأ الاعتراف الحقيقي بالسينما المستقلة، حيث اقيم على هامش فعاليات مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الروائية والتسجيلية، برنامج عن السينما المستقلة في الوطن العربي أعده المخرجان احمد رشوان وحسام علوان.

ومع التراكم الكمي والكيفي للأفلام المستقلة، جاء الاعتراف الفعلي بشرعية أفلام الفيديو، وهو الوسيط السائد والمستخدم بواسطة المخرجين المستقلين. وتم عرض الأفلام المستقلة ضمن برامج المهرجان القومي للسينما المصرية عام 2004، ويذكر أن احمد ابو زيد المخرج المستقل حصل على جائزة أفضل فيلم روائي قصير عن فيلمه «من بعيد».

كما بدأت أيضا على الساحة مجهودات فردية لإنعاش الحركة السينمائية المستقلة مثل إقامة مهرجانات وعروض تميزت بأنها موجهة للسينما المستقلة في المقام الأول ومنها ملتقى السينما المستقلة عام 2003 إعداد هناء ارنست، وكذلك أسبوع الأفلام المستقلة الذي صاحبته حلقة نقاش حول تسويق وتوزيع الأفلام بإشراف من محمد نصار، وشجع الإقبال المتزايد من الشباب علي تعلم الفن السينمائي على دخول جهات جديدة أخرى لتنظيم دورات تدريبية مثل أكاديمية رأفت الميهي، وآرت لاب، واستوديو عماد الدين وسمات وجمعية السينمائيين التسجيليين.

ولم تضف السينما المستقلة ظلالها على الشباب المخرجين فقط، ولكنها جذبت أسماء لامعة في عالم الإخراج بحثاً عن حرية الإبداع مثل محمد خان وخيري بشارة ويسري نصر الله الذي يعد رائداً في مجال السينما المستقلة، إذ وضعنا في الاعتبار أن فيلمه الأول «سرقات صيفية» إنتاج 1988 هو أول فيلم مستقل في مصر.

الكتاب: السينما المستقلة في مصر

تأليف : أحمد حسونة ومحمد الأسيوطي

الناشر: مؤسسة تنمية الوسائل السمعية البصرية القاهرة 2009

الصفحات: 120صفحة

القطع: المتوسط

خالد عزب