«البوح بالسر، يعني أني أمتلك حريتك» قول للكاتب الاسباني فيرناندو دي روخاس الذي يعتبر مؤسسا للرواية الواقعية التي انتقلت من أدب العصور الوسطى إلى مرحلة النهضة في أوروبا، كما يعتبره الأسبان أحد أهم رواد أدبهم الوطني.

لا يعرف الكثير عن حياة دي روخاس الذي يرجح انه ولد ما بين 1973 و1976 في طليطله، ودرس القانون في سالامانكا لمدة ستة أعوام إلى جانب دراسته للاتينية والفلسفة. وخلال دراسته في الجامعة عثر على مخطوط من فصل واحد فقط وشاء أن يكمل قصته في إجازته.

كان يكتب بواقع فصل كل يوم، لتكتمل روايته في خمسة عشر فصلا ولينشرها عام 1499 تحت عنوان «كوميديا كاليسكتو وميليبيا» مع إغفال اسمه. ومع مضي السنوات أضاف للرواية خمسة فصول وعدل عنوانها لتصبح تراجيكوميديا.مارس دي روخاس مهنة المحاماة بنجاح حتى عام 1507، وبسبب خلاف مع جاره بشأن عقار انتقل ليستقر في بلدة تالافيرا دي لا رينا حتى وفاته. وأنجب من زوجته سبعة أبناء، وسار الابن الأكبر على نهجه. واختير عام 1538 محافظا للبلدة التي عاش فيها.

وتوفي عام 1541 دون أن تحظى روايته التي سيصبح عنوانها «لا سيلستينا»، باهتمام من النقاد وإن لاقت نجاحا كبيرا بين القراء. وجدير بالذكر أن الرواية حولت في اسبانيا إلى أوبرا شهيرة تحمل العنوان ذاته، وكذلك إلى فيلم سينمائي أخرجه في المرة الأولى خوسيس دي فيرنانديز سانتوس عام 1974 وفي المرة الثانية المخرج جيراردو فيرا عام 1996.

تعتبر رواية (لا سيلستينا) التي مر على تاريخ نشرها ما يزيد عن خمسمائة عام من الروايات الخالدة، وقد صدر منها 120 طبعة خلال خمسة وثلاثين عاما فقط، وترجمت إلى الإيطالية والألمانية والفرنسية في بداية القرن السادس عشر، ولم تحظ باهتمام النقاد إلا في القرن السابع عشر.

اعتمد دي روخاس في بناء حبكة الرواية على مجموعتين من الشخصيات المتناقضة، الخدم والنبلاء، وتشكل الشخصيات في كل مجموعة ثنائي.

ففي خدمة الحبيب النبيل كاليستو، الخادمان بارمينو وسيمبرونيو، يليهما تريستان وسوسيا، وإيليسيا وأروسا في مجموعة الخدم، ووالدا المحبوبة ميليبيا، الأب بيلبيريو والأم أليسا. وتقف شخصية البطلة سيسلستينا على أنفراد، كمحورللأحداث وقبالتها الخادمة لوريسيا لكونها طرفا نقيضا.

تمثل سيلسيتينا أداة ومحرك التراجيديا والحياة المتجردة من أية قيم، في حين ترمز لوريسيا خادمة ميليبيا الشخصية إلى الشخصية المكبوتة إلى أبعد حد. ويتجلى تأثير سيلسيتينا على جميع الشخصيات من خلال فهمها العميق للنفس البشرية وقدرتها على اكتشاف جوانب الضعف في الشخصيات التي تتعامل معها. الشخصيات التي تنقاد إما لغريزتها أو للجشع أو للحصول على مكاسب من أي نوع كان.

تبدأ الأحداث بلقاء كاليستو خلال بحثه عن صقره، بميليبيا في إحدى الحدائق. ويقع أسير غرامها خاصة وأنها مرآة للجمال والبراءة والتحفظ، بعكس حياته التي تعتمد على المغامرة والانقياد للرغبات. يستغل خادمه بارمينو غرامه ليستفيد ماليا، فيقترح عليه استشارة المرأة المحنكة سيلستينا ذات السمعة السيئة، بهدف الاستفادة من الوضع ماليا.

وعلى الرغم من أن خادمه سيمبرونيو يحذره منها، إلا أن كاليستو يستدعيها ويوبخ الأخير لشكوكه الدائمة في دوافع الغير، ولاعتياده على الحياة المواربة بدلا من التواصل مع محبوبته بصورة مشرفة.

تنجح سيلستينا بدورها، وتتقرب من المحبوبة وتزورها بعد أن استعانت بإحدى وصفاتها السحرية التي اشتهرت بها في جميع الأوساط الاجتماعية.

وتختلق لها قصة عن كاليستو تجعلها تشعر بالتعاطف معه، وتقدم لسيلستينا حبل الحج الذي سيساعد الأخير في شفائه من ألم في أسنانه. تحذر خادمتها الشخصية الوالدة أليسا من سيلستينا، لكن الأم لا تهتم إذ تستلطف تلك المرأة التي ادعت بيعها لأدوات التجميل. كما تنجح سيلستينا في كسب الخادمة الشخصية بوعدها بتركيب وصفة لتزكية أنفاسها.

حينما تندم ماليبيا، تستدعي سيلستينا لاستعادة سبحتها، وبدلا من تنفيذ ذلك تفاجأ بحب غامر يعصف بها نحو كاليستو، فتطلب أن ترتب لها موعدا سريا معه في حديقة منزل عائلتها.في موعد غرامها الثانية، تفقد ماليبيا براءتها فتشعر بالخوف والأسى إلا أن عاطفتها كانت أقوى من أي اعتبار. تحصل سيلستينا على مكافأتها من كاليستو حيث قدم لها عقدا ذهبيا. وحينما رفضت الأخيرة أن تعطي الخادمان بارمينو وسيمبرونيو شريكاها نصيبهما، يقتلاها.

لكن صراخها قبل موتها يلفت انتباه الشرطة التي تقبض عليهما لدى هروبهما من النافذة وتنفذ فيهما حكم الإعدام في ساحة الجريمة.

تسعى العاهرتان إيليسيا وأروسا اللتان تحبان الخادمين وتعملان في البيت الذي تديره سيلستينا، للانتقام. تستعين الخادمتان بشرطي سابق مشرد بهدف فضح علاقة الحبيبين، وذلك بالتآمر مع خادمين يعملان في خدمة كاليستو.

في الموعد السري الثالث يختلق المتآمرون عراكا بجانب سور الحديقة، فيهب كاليستو لمساعدة خادميه فيرتقي السلم الذي أحضره معه ليصل إلى سور الحديقة، وعند نزوله يقع ويفارق الحياة.

الكتاب: لا سيلستينا

تأليف: فيرناندو دي روخاس

الناشر: دار نشر جامعة كاليفورنيا 2007

الصفحات: 174 صفحة

رشاالمالح