ليست السينما هي مأزق تلك الأغاني فقط، إنها الكلمة. لم ترض «مش حليوة» ذائقة الجمهور. هذا يغرق في أوهام جميلة. أحلام العشق البسيط، الذي يدغدغ الأمنيات. العذاب الذي يحل بعده النعيم. الجحيم الذي تسطع بعده أنوار الجنة. انه شيء من الطبيعة الشرقية. النواح وانتظار «الفرج». أمثالنا العربية مليئة بكلمات تتحدث عن الفرج وانفراج «الغمة» بعد انفجار اللغم.

الأغاني أيضا: «صافيني مرة وجافيني مرة وبلاش تنسيني كده بالمرة». حليم. الراضي بشيء من العذاب طمعاً بشيء من العطف. المغني أحد كبار فريق «المصالحة». فريق عتيد من العسكر والمغنين والملحنين والصحافيين وصنّاع الإبداع. إنها قصة الفقير الذي يحب الثرية. قصة أمة. «رد قلبي». الأميرة انجي تكاد تقبل يد الضابط شكري سرحان، ليمن عليها بحبه ورضاه. الملكية تقبل يد الثورة وتطلب الغفران. حليم، في مكان آخر، يغني. ليس للسد العالي فقط. ليس للحرب والعزة والعنفوان والوطن الحبيب الأكبر. يغني الحب بمفاهيم الثورة. المصالحة. العدل في توزيع المشاعر. المبادلة «الشريفة»: «على قد الشوق اللي فعيوني يا جميل سلم».

هي ذاتها الطبيعة الشرقية. المنح وتوقع المقابل. الإصرار على رفض «الغبن»، حتى في لحظة التمرد: «توبة إن كنت أحبك تاني توبة»، ولكن «بس قابلني مرة وتبقى دي آخر نوبة وبعدها توبة». لا أنانية في الحب. لا لذة في الأنانية. لا حب في اللذة. يحمل حب حليم، الذائب غالباً في بؤس المعذب وحرمانه، شيئاً كثيراً من جاهلية الشاعر العربي. «مشيت على الأشواك».

انه درب الجلجلة الذي أوصل جميل بثينة إلى مطاردة شبحها حتى القبر. كانت أغاني حليم، وهي أكثر كلمات الحب التي صدرتها الأغاني ولا تزال تعيش بيننا، إلى اليوم، وبنجاح كبير، الأكثر شبهاً بأحلام الجمهور وأوهامه. اليوم، لا نعرف الكثير من كلمات أغاني محمد فوزي وعادل مأمون وغيرهم. كان في بعضها إغراق تام ومنفر بالكلمة الكلاسيكية الصعبة. أوصال والفؤاد والسهد والحرمان. ليست الكلمات التي يحملها المستمع ليطير بها. ليست كلمات لحالات التخفف.

لكن، ألم يكن في بعضها الآخر خطاب تجديدي (في عصره على الأقل)، يقف على جبهة المغايرة والتمايز ورفض تنميط «أغاني المصالحة». لوثة التنميط تلك أصابت فريقاً كاملاً من المغنين. هل تتخيلون ليلى مراد، صاحبة «اضحك كركر»، تغني من كلمات حسين السيد: «ارضي يا حلوة يا أحلى غنوة في موكب الثوار.. ارضي حبيبتي يا أكرم دار، إحنا تولدنا فيكي كبار..»!

وكما في السياسة، كذلك في أغاني الحب، أكلت «الثورة» أبناءها. لم ترتق الأغاني إلى معاني اليومي، العابر، البسيط. أغاني المزاج البشري الذي يخوض في الحب، والكره، والنفور، والقرف، والهوس، والشغف، والاعتلال النفسي والجسدي، والاعتراضات الشرعية والشاذة. تلك المعاني تحتاج إلى رئة «منفتحة». شيء من الديمقراطية.

أغاني الغرب تنضح باليومي الساذج الذي قد يصنف في خانة التفاهة. لا تحمل قضايا. ليس الحب قضية. انه تخفف العقل وخفة القلب، بمعنى الرقة. وهو، قبل كل شيء، حرية. «أنا حرة» تغني هدى سلطان أيضاً. تبدو سعيدة لأنها اختارت أن تعشق رجلاً دميماً، أو على الأقل «مش حليوة». في «امرأة على الطريق»، تأكلها الشهوة وهي تتلصص من شق السقف على جسد رشدي أباظة. هذا في السينما. لكنها، في الأغنية، تعبر عن قناعتها الراسخة ورضاها التام برجلها «المش حليوة». الفيلم عاش والأغنية ماتت.

السينما أداة أخرى للتنميط. فورة إبداعية ساطعة تلتهم كل ما حولها.لماذا عاشت أغاني الحب المنمط؟ لماذا نسينا أغنية فايزة أحمد التي «تتغزل» فيها بأخيها؟ وشادية التي تسخر من ترنيمة «عطشان يا صبايا» التراثية الكلاسيكية. «مش عايزة شقة فاضية، عايزة مرات أبويا، اضربها ضربة قاضية، والعن السلسفيل.. عطشانة يا صبايا دلوني على السبيل».

وكيف لا نضع أمثال سيد حجاب وعبد الوهاب محمد في قمة لائحة أغنية الحب والحياة، قبل حسين السيد ومرسي جميل عزيز؟ لماذا بقيت كلمات حليم وانطفأ هدير أطنان من الكلمات ذرفتها حناجر مجايليه؟ لأن حليم يشبهنا ويداري خوفنا. خوف من أن نكون مختلفين في حبنا عن.. النمط!