في كتابه «القرن الجديد.. اتجاهات الفن التشكيلي في الامارات بعد العام 2000» يترصد التشكيلي والباحث علي العبدان مسارات الحركة التشكيلية في الامارات عبر مسيرة عدد من رموزها، لكنه يتسرب إلى بواعث تلك الملامح التي تصوغ وجه التشكيل الاماراتي.

المناورات والمغامرات التي شابت الحركة التشكيلية يمكن تحسس جانب كبير من الجرأة التي سادت فيها، وايضا القسوة، إلى درجة ان شعورا يستطير عليك من ان العبدان ينقلب انقلابا تاما على كل ما انجزته سيرة التشكيل المحلي من نقد، إذ لا يعقل ان التشكيل وبعد مسيرة حافلة فيها البطولات وفيها الكبوات لم تبن جسورا من النقد وحتى ولو شابها التباين والخطأ في نواحيها..لكن ظل هناك نقد وظل هناك نقاد وتراكمت أكوام من ورق القراءات، مارسها من أطلق على انفسهم نقاد، وكذلك مارسها تشكيليون بإرادتهم وكذلك، صحيح، هناك من حاول الإجادة والحرص. وهناك من كان انفعاليا وعاطفيا.

وهناك من كان ساذجا، وهناك من كان جاهلا، لكن كل هؤلاء في النهاية، كل من تحدث وقرأ التجربة التشكيلية المحلية سواء اصاب ام اخطأ قد مارس نقدا من نوع ما وخلف للتاريخ وللحقيقة شيئا من شخبطات، تبقى فائدتها مرهونة بما تحمله من مكتشفات ثمينة في التجربة. يبدو العبدان في كتابة «القرن الجديد» الذي كشفه على الساحة التشكيلية، وتركه على الارفف في كل مكان حاملاً اتهاماته الخطرة واداناته الشرسة بجرأة كبيرة متطرفا إلى هذا الحد يبدو وكأنه يقوم بمهمة انتحارية من اجل انقاذ ما يراه غارقا في الظلام في جوانب التجربة التشكيلية المحلية برموزها وحالاتها الفريدة التي التقطها في كتابه، فهو لا يهدأ ابداً تارة يفتش عن سحر اللون، وتاره عن مكر الرمز وخديعة المنجز وتارة يعود إلى الفنان ذاته ليعقد بينه وبين عمله الابداعي مقاربات رومانسية احيانا وحادة أحيانا أخرى.

. واظن ان العبدان مصاب بالحسرة على كنوز التشكيل المحلي الذي لم يستطع النقد المرافق له ان يظهره ويشهره على الملأ ولهذا نجده يقسو بشدة على كل من أوعزت له نفسه أن يقرأ التشكيل المحلي أو يحاول تفكيك أسراره.

هكذا يبدو العبدان الباحث عن لآليء التشكيل المحلي، يبدو ظالما وديكتاتوريا. وأمام هذا متطرفا ومتشددا وصارما ولا ينفك حتى عن وصف كثير ممن خاضوا بلغوهم في المسطحات اللونية وحاولوا مجاورة الفنانين بالسطحيين وغير النافعين بنقدهم...

وإذا كان العبدان قد أجاز لنفسه من منطلق حرية تامة ان يهدم ويبني الصورة التشكيلية يالاسلوب الذي يراه هو نفسه، في محاولة لصناعة نص نقدي سليم لملامح حساسة في التشكيل المحلي فانه ايضا لا يمكن تجريده من اندفاع المحب.

ومن تسخير عينه وروحه وفكره، فهو على الجانب الآخر ينتصر للتجربة التشكيلية المحلية، بكل وجاهة، عبر تبجيل نواتجها، فهو يبشر بالافكار والتوجهات والصنعة التي وصل اليها التشكيل المحلي، ويلهث باحثا عن ومضات التجربة، ثم يعود ليفتش في الوقت ذاته ايضا عن اماكن الخفوت فيها، يهدم ويبني، ويؤرخ ويمارس بحثه في مشروعه الخاص على البيئة الخليجية، وعلى الهوية، يطلق فلسفات قائمة على المقاربات..

هكذا بحرية ممزوجة بالحب وبالخوف على المسيرة التي يعتد انها ناجزة لكنها حرمت من الفرح لأن ناقدا أخطأ ولم يحترم توهجاتها الحقيقية، أو حتى كبواتها الحقيقية.. وهو الحياد الذي يحاول العبدان الاتكاء عليه وهو يلج إلى خنادق الفنانين الذين تناول تجاربهم وسيرهم الفنية وحالاتهم الخاصة مع اللوحة وضدها.

من المهم ان ينبري عشرات من نقاد الحركة التشكيلية المحلية لمواجهة اتهامات هذا الكتاب، واذا فعلوا فان الفائز، او الرابح الأول والأخير هو النقد، والمبدع التشكيلي والحركة ككل، فحينما يشيد الجدل السليم اطنابه ويقيم خيامه، تخصب ارض الرؤى وتحضر الجملة العلمية الفاصلة، ساعتها لكن هناك مجال للثرثرات المجانية والنقد المجاني الذي يتهمه العبدان بمسايرة حركة التشكيل المحلي، لأن حينها يقوم الجدل بدور التوليد، ويصبح الرد على اتهامات العبدان هو دفاع عن الحقيقة..

وسيفوز العبدان في يوم ما، لو تحرك الراكد لأنه لن يبقى هناك ناقد صامت، سيحدث هرج ومرج ومنه تنتهي الفوضى إلى مآل من السكنية، حينها يهدأ الحوار ويبدأ التفكير الفلسفي القائم على المنطق المتبادل بين الاطراف.. من المهم ان يثير العبدان اسئلة واتهامات لساحة النقد ومن المهم لساحة النقد أن لا تبقى ساكنه.. ليت هذا يحدث!

في ساحة الادب والابداع المحلي لا زال الجميع يرفع راية غياب النقد، فهاهم الأدباء، القصاصون والروائيون، الشعراء، كتاب المسرح، المطربون والملحنون، يشكون من غياب الخطى التي تتلوهم، من غياب النقد والنقاد الحقيقيين، كلهم يزعمون انه لا يوجد نقد حقيقي، لا توجد نصوص نقدية ابداعية تدفع زخما من المعرفي حولهم، لهذا يعيش اغلب هؤلاء، أو يشعرون، أنهم يعيشون في عزلة وسط المجتمع، ليس التشكيليون وحدهم.

وكما يصورهم العبدان محرمون من جنة النقد، بل الجميع، بل وركام كبير من المنجز الابداعي هنا مازال بكرا ولم تحرث فيه معاول النقد البناء..اذا فالعبدان يجر خلفه مظاهرة كبيرة ويسير على الطريق ذاته الذي سار عليه بعض الادباء وبعض الفنانين والمسرحيين كذلك، فليس هو وحده من يتهم حال غياب النقد الحقيقي.

وعليه وكما قلنا سابقا، اليس من المهم ان يقود أحد النقاد كتيبة لمواجهة هذا الاحتشاد الذي يحمل صفتي الإصرار والترصد؟ سؤال يبدو صعبا حينما لا يستدل صاحبه على مكان انطلاقه وفي مواجهة من؟ فمنذ زمن طويل والمحاولات النقدية لا تكف عن سبر وقراءة المنجز الابداعي المحلي!

يقول العبدان في نهاية كنابه «القرن الجيد»...«كنت اتمنى لو ان غيري ممن قد يكونون اكثر كفاءة مني قد قاموا بتأليف كتاب نقدي شامل ودقيق يتناول تجربة الفنون التشكيلية في الامارات بما يسهم في زيادة الوعي المجتمعي بأهمية الاتجاهات الفنية الحاضرة في سحتها، لكن هذا غير متحقق على المستوى المحلي بعد، فالفن في الامارات يفتقد حقيقة إلى الناقد الاماراتي الذي ينتظر منه إثراء مجال الفنون البصرية، بالطرح النقدي الراقي، المنطلق من بيئته الخاصة».

اذا فالعبدان لا يبحث فقط عن ناقد بناء لرصد التجربة التشكيلية في الامارات، بل يريده «إماراتيا»، محليا ملتصقا بمحليته، وهذا ايضا له مغزى آخر، اذ يبدو مطلب العبدان، مطلبا نوعيا وخاصا..

وهذا النداء هو ذاته الذي يصدح به آخرون من «الاماراتيين»، وليس الامر فيه شيء من العنصرية، بل ان هذه الدعوة تأتي من الرغبة من خلق انتاج ادبي نقدي تلده البيئة ذاتها، على الرغم من ان هذه المقولة، او هذا المبدأ قد يناقض الطبيعة ، التي ترى في الفنون، لغة تعبير انسانية، عالمية تنتمي للمشاعر التي لا تعرف لا لون ولا جنس ولا ايديولوجيا.

لكن «العبدان» يعترف ايضا في كتابه بالقول: «كتابي هو في مجملة اراء نسبية قد يتفق المهتمون معي عليها، وقد يختلفون او يرفضون».

ترصد العبدان وهو يشتغل على تكوين مادته التي يتوسم فيها «نقدا تعويضيا عما سبقه ومن منظور بيئي محلي» ترحال أحد عشر تشكيليا محليا في فلك التجربة التشكيلية في الامارات، عبدالقادر الريس، عبدالرحيم سالم، د. محمد يوسف، د. نجاة مكي، محمد القصاب، عبيد سرور، حسن شريف، حسين شريف، محمد كاظم، محمد احمد ابراهيم، خليل عبدالواحد والعبدان هو نفسه.

وصال وجال العبدان في رياض ودوحات هؤلاء المبدعين والذين تقريبا رموز التجربة ورموز المعرفة التشكلية المتراكمة، يسجل التقاطات تارة ويشعل فتيل الجدل تارة اخرة، يقارن ويقارب، ويرج السكان حول المباح والمسكوت عنه.

وهو بهذا يضيف منجزا ادبيا، قد نسميه نقدا تعويضيا، او قد نسميه آراء نسبية، حسبما أراد، ولكن في النهاية يبقى ما جمعه في كتابه «القرن الجديد» يستحق التأمل، بل وبالامكان اعتباره شرارة مفيدة لاعادة الحديث الناقد وجعله حالة حاضرة في واقع التجربة التشكيلية المحلية، لأنه وباعتراف اخرين اقتربوا من التشكيل الاماراتي، يبقى اننا هنا في هذا المكان من العالم نمتلك لغة بصرية جديرة بالاهتمام.

العبدان واللوحات الاخيرة..لا يتقصد هذا الاستبحار للمادة التي احتواها كتاب العبدان، انشاء نقد عليها، بقدر ما تبحث في مكامن ومحطات تستحق تلسيط الضوء عليها، فالكتاب يقدم نفسه بديلا لنقد سابق ساير التجربة التشكلية الاماراتية بتصريح كاتبه.

وفي الوقت نفسه يضيئ مساحات من الاعترافات المهمة التي يقدمها العبدان نفسه عن تجربته، التي يشير إلى انها كانت مثيرة للأسئلة لتحولاتها وانقلاباتها المستمرة ومن ثم اللجوء إلى لوحة الكولاج، وليس اي لوحة، وانما اختيار سير فنانين شعبيين «مطربين» وشعراء والذي يعتبره نوع من «التوازن»، فأي توازن يبحث عنه العبدان في الباب الجديد الذي يفتحه؟

يعترف العبدان: «هنا سأطرح مبدئي الذي اعمل به في هذه المرحلة، والذي استفدته من دراستي لعلم النفس والاتصال، وهو محاولة لتقديم اقتراح للتوازن عند المتلقي عبر العمل الفني، والذي ادعى أنه سيحقق لأعمالي الفنية ما أرومه من قبول لها، كما حقق ذلك لكثير من الاعمال الفنية عبر تاريخ الفن.

كما اظن، واني اعلم ان الكثيرين لن يقبلوا بمثل هذا التوجيه العلمي الجاف للعمل الفني... صادف العام 2007 الذكرى الستين لوفاة الفنان البحريني الكبير محمد بن فارس، رائد فن الصوت الخليجي فقد قررت انتاج لوحة له تمجد شخصيته وعبقريته الموسيقية».. ثم يشير العبدان إلى انه لم يجد في سبيل تحقيق ذلك جدوى من اللوحة الزيتية لتفي بالغرض، ويعترف «ربما لأنها ثقيلة على نفسي».

ذهب العبدان إلى الكولاج ليجسد مواضيع تهمه مثل سير المطربين، ضاحي بن وليد، وغيرهن قادمون في الطريق، فهو يرى ان الكولاج اعادة تشكيل واعية لمفردات من اللاوعي، ويعترف انه امتلأ بحب هذه الطريقة التي لا يستطيع الرسام مجاراتها مهما بلغ من التمكن من الوانه الزيتية.. يعول العبدان على الكولاج الذي انتجه مؤخرا، ويبدو انه ذاهب الي اقاصيه لا محالة خصوصا وان اعماله الاخيرة لاقت استحسانا وطلبا من متلقيها، لكن هل يستمر العبدان في الولوج من هذا الباب؟

يبدو العبدان انقلابيا مستمرا، وقد نجده يوما يعود لأصل الرسم، لا نعرف، فهذا التشكيلي الذي تشغله التفاصيل وعقليته الباحثة والقلقة دوما، قد لا تدعه على ارض واحدة لفترة من الوقت، فهو وكما يبدو من نتاجاته السابقة سواء على الصعيد الادبي او الفني رحال لا يتوقف عن الترحال.

غياب النقد

لاتزال الساحة الادبية والابداعية المحلية ترفع راية غياب النقد، فهاهم الأدباء، القصاصون والروائيون، الشعراء، كتاب المسرح، المطربون والملحنون، يشكون من غياب الخطى التي تتلوهم، من غياب النقد والنقاد الحقيقيين، كلهم يزعمون انه لا يوجد نقد حقيقي، لا توجد نصوص نقدية ابداعية تدفع زخما من المعرفي حولهم، لهذا يعيش اغلب هؤلاء، او يشعرون، انهم يعيشون في عزلة وسط المجتمع.

مرعي الحليان