يجسد فيلم «جداريات السيرة والمسيرة» للمخرج الشاب بلال شموط رحلة ليست مفروشة بالورود فقط عبر تاريخ القضية الفلسطينية على متن ريشتي والديه الفنانين الفلسطينيين إسماعيل شموط وتمام الأكحل،قصة الخروج الكبير نحو المجهول من اللد ويافا وفلسطين، قصة الاقتلاع المر من أرض وبيت وحارة ظلت نبضاتها ساكنة أفئدة مجاميع اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها يعيشون في خيم تتقاذفها شموس حارقة وشتاءات باردة في مناطق بعيدة عن المكان الأول والنظرة الأولى .

حيث مسقط الرأس. فيلم يكرم الفن التشكيلي ويضعه قبالة عالم السياسة الخادع.عن هذا العمل الإبداعي الجديد الذي يحمل رؤية جديدة لإيصال رسالة والديه ورواية مأساة ونكبة الشعب الفلسطيني من خلالهما، التقى «مسارات» بلال شموط وتحدث معه عن هذا العمل الجديد والأصداء التي حصل عليها خلال فترة عروضه في العديد من العواصم والمدن العربية والفلسطينية: كيف ظهرت فكرة صنع فيلم «جداريات السيرة والمسيرة»، وهل هناك مشاريع تسجيلية أو سينمائية أخرى يعمل عليها المخرج بلال شموط؟ بدأت فكرة هذا الفيلم تتشكل مع العرض الأول لمعرض «السيرة والمسيرة» في عمان بنهاية عام 2000، وذلك عندما ذهبت من دبي إلى عمان لمشاهدة المعرض ومشاركة والدتي ووالدي فرحتهما بإنجازهما، وحينها رحت أتجول بين اللوحات المعروضة طوال أيام المعرض وأسمع تعليقات زواره.

فوجدت أن الكثير منهم يمرون أمام اللوحات مرور الكرام معبرين عن إعجابهم بالألوان متسائلين عن السبب الكامن وراء حزن هذا الولد أو تلك الفتاة وثم يغادرون بهدوء، فتشكل لدي انطباع بأن هناك حالة من الفقر فيما يتعلق بالثقافة الفنية البصرية والقدرة على قراءة اللوحة الفنية. ومن هنا خطرت ببالي فكرة تسليط الضوء على تلك الجداريات بطريقة سمعية بصرية مدفوعا بشعار«كي لا ننسى» وكي تتمكن الأجيال المقبلة من رؤية ما الذي جرى لنا في فلسطين الحبيبة عندما فكر إسماعيل شموط وتمام الأكحل برسم هذه المجموعة الكبيرة من الجداريات، هل كانا يملكان تصور عام أو دراية حول فكرة التوثيق لسيرة ذاتية ومسيرة وطنية؟

إن مشروع الجداريات ال19 نشأ كردة فعل على الزيارة التي قاما بها عام 1997 إلى مسقط رأسيهما في اللد ويافا في فلسطين المحتلة، حيث شاهدا بيوتهما بعد غياب دام 49 عاما ومنعا من الدخول أليها، الأمر الذي أعاد إليهما الثقة بنفسيهما لا سيما بعد إدراكهما أنه بوسعهما تذكر أدق تفاصيل الأمكنة والحياة التي كانت فرحة هناك قبل الرحيل المر، عادت إلى ذاكرتيهما صور الكنائس والمساجد والحارات والساحات والمدارس والجدران، كما استعادا مشهد التهجير القسري على يد العصابات الصهيونية. كل ذلك حرك مشاعرهما ودفعهما إلى رسم تلك الجداريات تجسيدا لتلك التجربة القاسية.

ما بين الرسالة الفنية والرسالة الوطنية التي عمل عليها إسماعيل شموط طوال حياته، أين كان يجد نفسه بصورة أكبر؟

لم يكن ممكنا أن يكون إسماعيل شموط إنسان وطني وصادق وقادر على التعبير عن مكنوناته من دون أن يشتغل على نفسه ومن دون أن يبدع على المستوى الفني، علما بأنه بدأ الرسم مذ كان يعيش في اللد قبل عام 1948 .

وكان لديه مرسم هناك شاهدناه في الفيلم التسجيلي وكان يبدع لوحات جميلة قبل أن توجد القضية الفلسطينية، لقد كان يحب الرسم بطبيعته، ولو لم تحدث النكبة، لما تغير شيء ولكان إسماعيل شموط قد أصبح فنانا مميزا أيضاً بعيدا عن أي قضية وطنية تشغله وتشكل محور حياته الشخصية ونتاجه الفني.

هنا تظهر قضية الفنان الملتزم، الذي كان يمثله إسماعيل شموط ولا تزال تمثله تمام الأكحل، مثلما يظهر مدى التصاق الفنان بقضايا وهموم شعبه ومدى انصهار العام بالخاص وبالعكس، الأمر الذي يبين الدور الذي يمكن للفن أن يلعبه في الحياة العامة للناس..

جاءت عملية التصاق أعمال والدتي ووالدي بقضيتهما الوطنية نتيجة قرار واع اتخذاه منذ البداية، على أن تشكل أعمالهما الفنية مساهمة في نضال الشعب الفلسطيني في سبيل استعادة حقوقه الوطنية.

لقد استخدم كل من تمام وإسماعيل ريشة الفنان كنوع من السلاح النضالي، لكن هذا لا يعني أن كل أعمالهما مسخرة كليا للقضية الفلسطينية، فلديهما أعمال تعنى بجماليات الطبيعة والإنسان أيضا.

هل يمكن القول إن الاعتقاد السائد بأن تمام وإسماعيل لا يرسمان إلا لفلسطين هو اعتقاد خاطئ؟

المؤكد أن 90% من أعمالهما تذهب لصالح فلسطين، وتبقى نسبة 10% لتذهب لصالح أمور أخرى متنوعة، لكنها جميعا تعكس قيمة فنية رفيعة المستوى.

وضع إسماعيل شموط كتابا تناول فيه الفنانين التشكيليين الشباب في المجتمع الفلسطيني، هل لك أن تلقي الضوء بعض الشيء على الدور الذي لعبه الوالد على هذا الصعيد؟

أثناء فترة وجوده في بيروت والكويت كان إسماعيل شموط يسعى دائما لتبني المواهب الفلسطينية بين الشابات والشبان، وكان يؤمن لهم منح دراسية وعمل في دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية.

كونك نجل فنانين كبيرين، هل يشكل ذلك عبئا ثقيلا على كاهلك وما هي التحديات التي يفرضها هذا الموقع الذي وضعتك فيه الأقدار؟

لا شك بأنه يشكل عبئا كبيرا بالنسبة لي والتحدي الأكبر يكمن في ذلك الشعور الذي لا يفارقني والذي يذكرني دائما بأني حامل رسالة من واجبي الاستمرار في توصيلها وبأنه على دور يجب أن أقوم به وأكمله بطريقة تعطي هاتين القامتين الفنيتين حقهما.

بعيدا عن دهاليز العاطفة، ما هو مستوى الموضوعية في «السيرة والمسيرة»؟

أحد الأهداف التي وضعتها لنفسي في هذا الفيلم يتمثل في أنه ليس مشغولا لي أو كي أوصل من خلاله رسالتي الخاصة، هذا الفيلم مشغول كي أوصل رسالة إسماعيل وتمام في المقام الأول.

ماذا عن عملك الثاني، هل لديك مشاريع جديدة قادمة في الطريق؟

أساهم حاليا بإنتاج فيلم روائي طويل يتناول موضوع النكبة بطريقة مبتكرة، ونحن لا نزال في المراحل الأولى من عملية الإنتاج. إذا نجح هذا الفيلم ستتبعه أعمالا سينمائية أخرى بما فيها عمل جديد حول أعمال إسماعيل شموط نفسه.

ماذا عن نجاح «السيرة والمسيرة»؟

الفيلم عرض في عدة مدن فلسطينية وعربية وعالمية، حيث خضت تجربة مميزة جدا، إعجاب الجمهور كان واضحا للغاية، لكن التعليق ألأبرز الذي سمعته يتحدث عن ضرورة إدخال «السيرة والمسيرة» في منهاج التربية الوطنية في فلسطين أما المشهد الذي اثر في أكثر من غيره فكان عندما اقترب من ولد صغير بعد عرض الفيلم وفال لي: أود أن أشكرك كثيرا أيها العم على هذا الفيلم الرائع.فقلت له: هل أعجبك. فقال: نعم أعجبني كثيرا.

فقلت له ما الذي أعجبك فيه، فرد على قائلا: أكثر جانب أعجبني فيه هو أنه لا يخيف وأنه يخلو من الدماء والقتل، لكني فهمت كل شيء. وهذا يعني أن الرسالة وصلت وخاصة للجيل الجديد.

فنانان في سطور

إسماعيل شموط (1930 - 2006) فنان تشكيلي فلسطيني يعتبر أحد أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني، وأحد أبرز شخصيات هذا المشهد الفني العريق على الساحتين الفلسطينية والعربية وربما العالمية أيضا. أما تمام الأكحل فقد ولدت في مدينة يافا الفلسطينية عام 1935، شردتها النكبة مع أهلها من يافا إلى بيروت 1948، درست الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1953. شاركت زوجها كافة المعارض التي أقيمت لأعمالهما في معظم البلاد العربية والعالمية.

باسل ابو حمده