فأنت لو دخلت صدفة أية قرية أو مدينة جزائرية على امتداد ذلك البلد الواسع فإن عينيك لا شك ستقعان على لوحة كتبت عليها مستشفى أو مدرسة أو شارع أو حديقة فرانتز فانون، أو غيرها من المؤسسات والمعالم الكثيرة.

وربما سيدفعك الأمر إلى التساؤل عن سر هذا الاهتمام الجزائري الكبير بهذه الشخصية التي قدمت ذات يوم نضالي من إحدى مستعمرات فرنسا عام (1952) لتعمل كطبيب للأمراض النفسية في مستشفى مدينة البليدة الجميلة الواقعة على بعد حوالي أربعين كيلومتراً غرب الجزائر العاصمة، ثم لتنضم إلى جبهة النضال الوطني ضد المستعمر الفرنسي ولتصبح بعد عام (1957) الناطق الرسمي باسمها.أما لماذا وكيف ينضم هذا الطبيب والفيلسوف الاجتماعي إلى تلك الثورة وقد كان أحد جنود فرنسا ذاتها، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الاستعلاء والذي كان يحسه عندما يمارسه في حق زملائه الجنود الفرنسيين، إضافة إلى حجم العدوانية والعنف الكبيرين اللذين يمارسونهما ضد السكان الأصليين سواء في بلده أو في الجزائر.

وقد منحته تجربته الجزائرية بالذات درجة كبيرة من الوعي بتلك الممارسات الدموية والنفسية مما أعطى لكتاباته فيما بعد ذلك الثراء الذي عرف عنها والذي أبعدها كثيراً عن التنظير البحت والمجافي للواقع ولطبيعة العلاقة بين (مستعمِر ومستعمَر) يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال قضية بشرته السوداء. إن محبة الشعب الجزائري وكذلك سلطاته الرسمية لهذا الرجل لا حدود لها وحادثة شقيقه (جوبي فانون) مع أهل القرية التي أوصى بأن يُدفن فيها تبين إلى أي حدٍ هو ذلك التعلق والوفاء.ففي عام (1982) قام بزيارة بلده (عين الكرمة) القريبة من الحدود الجزائرية ـ التونسية وفد من عائلة فانون هم زوجته وشقيقه وإحدى قريباته، بغرض زيارة ضريحه المسجى هناك في مقبرة شهداء القرية، وقد قام أهل القرية بواجب الضيافة إلى أن انتهت، ثم كانت زيارة أخرى لشقيقه (جوبي) منفرداً عام 1986.

ويروي نور الدين تومي أمين عام بلدية البلدة عن هذه الزيارة بأن الأهالي حينما لاحظوا بأن الرجل قد أطال البقاء في المنطقة، مكثراً من الاتصالات مع أهلها من رسميين وغير رسميين في محاولة منه لاسترجاع جثمان شقيقه ونقله إلى بلده الأصلي مخالفاً بذلك وصيته التي تركها .

وهي بأن يُدفن بعد مماته في هذه البلدة حصراً لأنها كانت كجزءٍ من القاعدة الشرقية للثورة، وكمكان خرج منه متخفياً إلى الحدود التونسية ومن ثم إلى مدينة (غار ديماو) التونسية، حيث يلتحق بمستشفى ميداني هناك خاص بالثورة هي الآخر جزء من قاعدة خلفية آمنية، حيث يعمل كطبيب مهتم بالجانب النفسي للثورة..

. وعندما منع مجاهدو ومسؤولو تلك البلدة (جوبي) هذا من تحقيق رغبته في نقل الجثمان حاول الرجل أن يحتال على الناس هناك لتحقيق هدفه. ويقال بأنه حاول شراء بعض الذمم لمساعدته على حفر القبر ولتهريب الجثمان.. ولما انتبه أهل البلدة للأمر شكلوا مع سلطات البلدية خلية حماية وحراسة للضريح إلى أن غادر الرجل.

ويكفي أن نعلم بأن ولاية الطارف الجزائرية التي تقع فيها تلك البلدة تنظم كل سنتين مهرجاناً فكرياً وثقافياً دولياً واسعاً باسم «فرانتز فانون» يحضره الكثير ممن اهتم بفكر الرجل من داخل الجزائر وخارجها في محاولات مكثفة لتسليط المزيد من الأضواء على إرث الرجل وفلسفته وإسقاط ما يمكن إسقاطه منها على الأوضاع المستحدثة في العالم منذ بداية ستينات القرن الماضي إلى اليوم وربما كذلك لبعث موجات أخرى للتحرر الوطني أساسها فكر «فانون» في ظل هذه العولمة وظل آلياتها وإداراتها.

وقد لاحظنا أنه لدى الكثير من المثقفين والمفكرين الذين شاركوا في آخر مؤتمر هناك رغبة كبيرة بأن تعيد الجزائر (البلد المناضل) الذي أبدع فيه فانون أعماله قراءة معنى الثقافة الوطنية وإشكالياتها علّ روحاً أخرى تسود في العالم الذي لايزال يُوصف بأنه متخلفاً.

ربما لا يكون فانون وحده هذه الأيام الجدير بإعادة القراءة ولكنهم، أي «المثقفون والمفكرون» يعتقدون أنه الأجدر لأن اجتهاداته (رغم قلتها) لاتزال وحدها تطرح الأسئلة الحقيقية لقضايا الفصل العنصري بشكل خاص وتطرح أسئلة الأنظمة الثورية وما تحتاج إليه.

وما زلنا نتذكر كيف كانت أنظمة الحكم الثوري في أوطاننا العربية تعمل على الترويج لفكر «فرانتز فانون» بالذات بين شبابها ومناضليها وبالأخص من خلال المقررات الدراسية حيث كان كتابه الشهير «معذبو الأرض» أحد أهم مراجع ذلك الجيل.

كيف عاش فانون في أحضان الثورة الجزائرية؟

يبدو أن «فانون» قد وجد في الثورة الملجأ الأهم لتحقيق الكثير من طموحاته وربما معاركه السابقة مع المستعمر حيث توضحت رؤيته الحقيقية تجاه قضايا كثيرة اتسم بها عصره.

وهو طبيب في مستشفى البليدة منذ عام 1952 كان فانون على تواصل دائم ومباشر بالثورة التي اندلعت بعد ذلك بسنتين وكان قد مهد لذلك التواصل سابقاً من خلال علاقاته بالطلبة الجزائريين زملائه في فرنسا عندما كان يناضل معهم ضد الكولونيالية الفرنسية، وهنا يجد نفسه أمام خيار ربما هو الأهم في حياته.

حيث كان بالإضافة إلى عمله في المستشفى يقوم بأشكال شتى من النضال مثل تكوين الممرضات اللائي سيلتحقن بالثورة، كما كان يتستر على مناضلي جبهة التحرير الذين يقصدون ذلك المستشفى ويساعدهم على نقل الأدوية والمعدات الطبية إلى الثوار في مواقعهم، ويؤمّن نقل الرسائل وبعض الأسلحة بين الثوار.. وغير ذلك.

كل هذه النشاطات التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات دون أن تستطيع فرنسا اكتشافها عُرفت فيما بعد.. استقالته وهروبه إلى تونس عن طريق بلدة عين الكرمة الحدودية التي تحتضن ومنذ سنوات طويلة رفاته كما أسلفنا.

وفي تونس التي يصبح فيها تحت تصرف الثورة يعمل طبيباً باسم «الدكتور فارس» وفي الوقت ذاته ينضم إلى فريق تحرير جريدة المجاهد (اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني) حيث يكتب فيها عشرات المقالات حول المأساة الجزائرية وحول اليسار الفرنسي المتذبذب أيامها تجاه هذه القضية، ويكتب كذلك حول قضايا الاستعمار بشكل عام وعلاقته بأمور العنصرية المتفشية بشتى أشكالها في أوساطه.

في جريدة «المجاهد» تلك تبرز أكثر مواهب الرجل الإبداعية والسياسية والثورية المناهضة للاستعمار، طبيب نفسي، مناضل وكاتب، كيف لا تنال كتاباته ما تستحق من مصداقية وصدى دوليين؟

في تلك المرحلة يخرج إلى الناس كتابه الأشهر «معذبو الأرض» بعد كتابه الأول «وجوه سوداء ـ أقنعة بيضاء» أي بحوالي عشر سنوات تقريباً، ويقدم له مطولاً جان بول سارتر الذي يلخص ذلك التقديم في عبارة: «بهذا الصوت يكتشف العالم الثالث ذاته ويعبِّر».

ويصبح فرانتز فانون قدوة للمفكرين الأحرار في أوروبا وأميركا وبالأخص في أوساط السود، بل ويبلغ صدى صوته حتى اليابان بالإضافة طبعاً إلى الشرق العربي.

لقد شارك فانون في كل المؤتمرات الإفريقية باسم الجزائر «ممثلاً لها» وكان دائماً يتمنى أن يرى الجزائر الثائرة في كل الانتفاضات الإفريقية كما كان دائماً يذكِّر وفي كل تلك المناسبات إلى التضامن الإفريقي مع الثورة الجزائرية هو غير كافٍ ولا بد من أعمال مادية (كما يقول) للتعبير عن ذلك التضامن، إلى أن جسّد ذات يوم من عام 1960 فكرته المعروفة بالفرقة الإفريقية، بدعم كل الثورات في القارة بادئاً بفتح الجبهة الجنوبية الجزائرية لمحاربة فرنسا.

وكنتيجة مهمة ومباشرة لدور الثورة الجزائرية (العربية) في فكر فانون وهي التي احتضنته مناضلاً في صفوفها اهتمت المنطقة العربية بفكره وراحت تترجم له العمل تلو الآخر..

وقد كانت هذه المنطقة في تلك المرحلة شديدة الاهتمام «بجان بول سارتر» نظراً لمواقفه الحرة تجاه الثورة، ولما رأت النخبة العربية أن سارتر يكتب تلك المقدمة الشهيرة لكتاب فانون راحت تضاعف من اهتمامها به لتكتشف المزيد من مواقفه التي أثارت إعجابها وإعجاب الحكام الثوريين والشباب العربي بشكل عام.

تلك الرحلة الفكرية

ربما لم تكن كتابات فانون أعمالاً فكرية مركزة، بل هي إلى حد ما رحلات «واسعة لذلك المثقف الثوري الملتزم الذي تنقل كثيراً وراح يدمج علم النفس التحليلي الذي تخصص فيه بشيء من الفلسفة ورغم ذلك كان له كبير الأثر في كل المناطق التي تواجد فيها من الجزائر وجزر الانتيل والكونغو وغينيا وغيرها.

ولقد مضى الآن قرابة الخمسين سنة على غياب هذا الرجل الذي سمي ذات يوم «جواب المضطهدين» عن معشوقته إفريقيا التي هي اليوم شيئاً فشيئاً تنفض غبار العنصرية المقيت رغم قبضة وسطوة الأمبريالية التي لاتزال مهيمنة عليها في ميادين التجارة والسيطرة على الأرض الفلاحية.. يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال لعبة الاستعمار القديمة الجديدة «التفرقة وأبعادها الثقافية» كواحدة من أساليب العنف الاستعماري الذي يُذكر به فانون دائماً و«الاحتواء والنفي» لشعوب العالم الثالث بشكل عام من تاريخها حتى يقطعها عن تراثها وماضيها.

لم يكن فانون في هذا الصدد بالذات يكتفي بالحديث عن العنصرية التقليدية، بل هناك واقع إنساني آخر نكتشفه عند قراءتنا كتابه « بشرة سوداء ـ أقنعة بيضاء» وهو أن العنصرية لديه لا تتحدد من خلال اللون فقط بل هناك جانب تاريخي ثقافي ملازم للإنسان الأبيض يجعله دائماً يتحكم كإنسان غني ومسيطر على الثروات والمصائر في المستعمرات التي يحتلها.