بين لثغة الفرنسية وسحر لغة الضاد يبرز اسم الروائي الجزائري رشيد بو جدرة كواحد من ألمع الأصوات الروائية سواء ضمن المشهد الروائي العربي الذي رفده بو جدرة بنصوص لافتة، وسرد مختلف، أو في الغرب الذي يُصَنّف فيه كواحد من أبرز ممثلي تيار الرواية الجديدة في فرنسا إلى جانب كلود سيمون، وناتالي ساروت، وآلان روب غرييه... وسواهم.
ما يميز روايات بو جدرة هي أنها تتجاوز المألوف وتثور على السائد، وهي لا تأبه لأية سلطة سوى سلطة الإبداع والمعرفة والسؤال الذي يتجدد مع كل صباح، ومن هنا، فإن أعماله تخترق التابوات والمحظورات الكثيرة، لدى حضوره فعاليات «المهرجان الوطني للمسرح المحترف»، الذي عقد مؤخراً في الجزائر العاصمة، كان هذا الحوار الذي جرى في مقهى وسط المدينة: يقال ان بعض الكتاب العرب، وخصوصاً المغاربة، يفضلون الكتابة بالفرنسية بحثاً عن الشهرة. على ضوء تجربتك، هل لفرنسا الفضل في شهرتك، ورواج أعمالك؟هذا صحيح، لولا فرنسا لما عرفنا العرب. شخصياً بدأت الكتابة في فرنسا نهاية الستينات، ونلت الشهرة هناك، وبعد ذلك أصبحت معروفاً في بلدي الجزائر وفي العالم العربي، ومع مطلع الثمانينات عدت إلى الجزائر ورحت أكتب بالعربية.
كان عليّ، إذن، أن أكتب في باريس لأحصل على اعتراف من الرباط والقاهرة وبيروت ودبي... المعيار الغربي هو الأساس، بل هو أساسي، فالمثقف العربي حينما يسمع أن الطاهر بن جلون وكاتب ياسين ومحمد ديب والطاهر وطار ورشيد بوجدرة لهم حضورهم في المشهد الأدبي الغربي يسارع إلى قراءتهم، كما تتلقف دور النشر أعمالهم بترحيب بالغ. للأسف، هذا هو الواقع السائد.
ولكن الآن هناك أصوات روائية شابة تقدم الكثير في هذا المضمار وتقترح نصوصاً سردية مختلفة تتناول بجرأة ذلك الثالوث المقدس؟
صحيح، لكن يجب أن ننتبه إلى أننا بدأنا الكتابة بتلك الجرأة منذ عقود طويلة، فأنا بدأت الكتابة في ستينات القرن الماضي، أما الآن فقد تطور المجتمع.
وأصبحت السلطة السياسية ذكية وتستخدم أساليب «قمعية» ناعمة، واتسع هامش الحرية، ومع ذلك فإن كل شيء تحت السيطرة، وما هذه الجرأة التي تتحدث عنها سوى نوع من «التنفيس» عن الاحتقان المزمن، واعتقد أن السلطة السياسية، حين تشم رائحة الخطر، لا تتردد في مواجهتها.
بعض النقاد ينتقدون تجربة رشيد بو جدرة، وتجربة أقرانه من الكتاب الفرانكوفونيين، لكونهم أظهروا عيوب بلدانهم للقارئ الغربي بغرض نيل الشهرة والرواج، فما تعليقك؟
هذا الكلام يفتقر إلى الدلائل والبراهين، فلم يكن الهدف، إطلاقاً، هو إظهار عيوب بلداننا ومجتمعاتنا للقارئ الغربي، أو، على الأقل، لم نسعَ إلى ذلك للغرض الذي يشير إليه أولئك النقاد. أردنا أن نظهر عيوبنا لأنفسنا، لكن الغرب استغل ذلك، وعرف كيف يستثمر كتاباتنا. نحن كتبنا بقصد النقد الذاتي، ولم نكن نتطلع إلى القارئ الغربي فحسب، بدليل أن القارئ العربي، كذلك، تلقى أعمالنا بإعجاب.
بمناسبة حديثك عن رواية «ألف وعام من الحنين»، رأى بعض النقاد بأنك تأثرت فيها برواية غابرييل غارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة»، هل تقر بذلك؟
لا أقر بذلك، لأن هذا الكلام ليس دقيقاً، وهو عبارة عن دعاية أتت من النقاد الجزائريين المعقدين، ومن بعض الخصوم الذين رفضوا الرواية ومضامينها، أساساً.
لكن روايتي هي قراءة حديثة في «ألف ليلة وليلة»، وقراءة مركزة للتاريخ العربي القديم. وبالمناسبة، تيار «الواقعية السحرية» الذي يقال ان ماركيز، وكتّاب أميركا اللاتينية، هم الذين أسسوا له، موجود في التراث العربي في «مقامات الحريري»، وفي «ألف ليلة وليلة»، وفي بعض الكتابات الصوفية وسواها من الأعمال التي كتبت قبل عقود، وربما لا يعرفها ماركيز.
بعض الجزائريين «المتفرنسين» أشاعوا مسألة تأثري بماركيز، لكن ما قدمته كان مختلفاً، ونحن، ككتاب مغاربة، انفتحنا على التراث العربي، ونهلنا من هذا التراث رغم ثقافتنا الفرنسية.
لماذا عدت إلى العربية بعد ما حققته من شهرة بلغة هيغو وفولتير وبودلير؟
عُدت للعربية بالغريزة.
كنت، منذ عام 1969م عندما بدأت الكتابة بالفرنسية، أشعر بعقدة ذنب وحنين للعربية، وكانت علاقة عشق بالمعنى التصوّفي باللغة العربية، وكان انتقالي للعربية ناتجاً عن ضغوط نفسية. كنت عندما أكتب بالفرنسية أعيش نوعاً من العُصاب بسبب عدم الكتابة بالعربية. في بعض الأحيان كنت تحت وطأة كوابيس أراني فيها فقدت النطق بالعربية أمام جمع حاشد.
ولابد من الاعتراف بأنني شعرت في فترات لاحقة بقصور اللغة الفرنسية على نقل أفكاري ومواضيعي المتعلّقة أساساً بالإنسان الجزائري العربي؛ المسلم، ومع العودة تمكنت من الرقص على درجات سلّم هذه اللغة، فاستخدمت اللغة الشعبية واللغة السوقية، واللهجات المحلية، فإلى جانب اللغة العربية القاموسية، ثمة لغات شعبية كثيرة غنية بمفردات وألفاظ محببة ونادرة.
بعدما مارست الكتابة باللغتين، أيهما تملك طاقة تعبيرية أكبر من الناحية الأدبية، اللغة العربية أم الفرنسية؟
عندما كتبت بالفرنسية كان لدي دائماً مشكلة التعبير عن بعض المواقف والأشياء في مخيلتي وعالمي الخاص، وعندما كتبت بالعربية فإن اللغة ساعدتني. اللغة العربية تملك طاقة تعبيرية هائلة، وهي الأنسب لكتابة الرواية. اللغة العربية هي بحر. عندما كتبت بالفرنسية لم يتجاوز عدد صفحات رواياتي الثلاثمئة صفحة، بينما في العربية كتبت رواية بلغت ألف صفحة، وأقصد رواية «المرث».
والكتابة باللغة العربية تتيح لي استخدام العامية، واستخدام المونولوغ، والتلاعب بالألفاظ، وهي توسع الفضاء أمامي وكل ذلك غير متوفر في الفرنسية. لكن الرواية في العالم العربي لا توزع أكثر من ألف نسخة، بينما في الغرب تصل إلى 27 ألف نسخة، وتلك هي المفارقة! لقد تأثرنا بتقنيات الكتابة الغربية من جان جينييه إلى كلود سيمون إلى روب غرييه... ولكن هم بدورهم تأثروا بالتقنيات الفنية والجمالية الموجودة في تراثنا.
هل نقرأ الرواية كوثيقة تاريخية ينبغي محاكمة كاتبها على ما تتفوه به شخصياته، أم ننظر إليها كفن جمالي محض؟
بالطبع يجب قراءة الرواية كعمل فني وجمالي بعيد عن التوثيق. يمكننا توظيف التاريخ، كما فعلت في روايتي «الحلزون العنيد»، إذ تناولت شخصية ابن خلدون، ولكن هذا التوظيف للتاريخ يجب أن يكون ضمن إطار تخييلي لا توثيقي.
في كتابه «زمن الرواية» يرى الناقد المصري جابر عصفور اننا نعيش زمن الرواية، وان الشعر، «ديوان العرب»، في انحسار، إلى أي حد ترى ان هذا التحليل صحيح؟
الرواية حديثة الولادة في المجتمع العربي لكنها صارت تتقدم متجاوزة الشعر. حتى الشعر أصبح نثراً لأن هناك علاقة بين الفن والبنى الاجتماعية. الرواية فن مديني، والشعر فن الريف وهو ديوان العرب قديماً، أما في الراهن، فان المجتمعات العربية تتقدم، وتحصل تغييرات في بنيتها على مختلف الصعد، لذلك يتقدم الفن الروائي إلى صدارة المشهد.
ابراهيم حاج عبدي

