نعم «بنخاف من السكون ونترعب، هكذا كان رد فعل «عم صلاح جاهين» عن عالم مجنون.. مجنون.. لاهث لا يعرف السكون، فالضجيج والضوضاء سمته والزحام والأصوات مفرداته.. ولغة الجسد العنيفة ميراثه ورد من ردود أفعاله...في عالمنا، وعلى امتداد العواصم والقرى والنجوع بصمة صوتية عالية، قد تصم الآذان، ومعها يدور الإنسان باحثاً عن لحظة صمت، فلم يجدها في أي مكان.
في الشوارع... في كل العالم... «زحمة يا دنيا زحمة... زحمة وتاهوا الحبايب»! نعم، فمع الزحام بقوة الحب والجمال ولا يسمع الإنسان إنسان، تتعالى وتتداخل أصوات المارة.. والمذياع من كل قهوة.. وكليب مصحوب بضجة وإعلانات بطول البنايات زحمة ألوانها وأصواتها ـ تفوق الخيال ـ فرامل السيارات تحدث صدمة وكلاكساتها «تجيب لوسة»، معها يكف العقل عن التفكير، نداءات الباعة المتجولة تدخل آذانك بلا استئذان، وإلى جيوبك بلا حياء، فقط لتخرج بعض النقود لشراء ما يبيعون، وكأنك تتجنب أصواتهم.. ولكنهم لا يكفون مصرون على النداء والصراخ...فالضوضاء آفة العصر.. بصمة أصوات متتداخلة لا تعرف الصمت للحظة.. إنها ظاهرة تغلف العالم كله لا يستطيع فيها الإنسان ان يسمع نفسه وهو يصرخ... فيزداد عدد الصارخين...
ففي المدن الكبرى مثل نيويورك وأوتوا وتورونتو والقاهرة الصاخبة ليل نهار، تؤكد الدراسات التي أصدرها مركز البحوث الصوتية في نيويورك بأن هذه المدن جميعها، إن متوسط الضوضاء من السابعة صباحاً وحتى العاشرة مساء يبلغ 85 «ديسيبل»، وهي وحدة قياس كثافة الصوت والضجيج، وهو ما يعني بأن الضوضاء بهذه الدرجة تكون أعلى من صوت قطار شحن البضائع على بعد 15 قدماً.ويؤكد المركز القومي للبحوث في مصر بأن الحوارات العادية بين الناس في القاهرة تتراوح فيما بين 45 و60 «ديسيبل»، في حين يسجل «المنشار المسنن 100 ديسيبل»، و العيار الناري 140 «ديسيبل».وبعرض هذه الدراسة وغيرها على الأطباء في مصر أكدوا على ان الضوضاء والأصوات المرتفعة تؤثر على الجسم تأثيراً سلبياً وتضر بالصحة النفسية ضرراً بالغاً، فيصاب الإنسان بارتفاع ضغط الدم، وأمراض التوتر العصبي وطنين الأذن، والعصبية المفرطة.
وفي دراسة مماثلة قام بها مركز الأصوات في العاصمة باريس، أوضحت أن الضجيج يحد من تركيز الدماغ، ويقلل من عملية النوم الهاديء وهي عملية معقدة تتحكم فيها حفنة من الهرمونات بالدماغ، فيصبح الإنسان مع الوقت عصبياً وعدوانياً، قد ينتهي به الأمر إلى الإدمان أو الانتحار، وإتاحة الفرص لظهور العنف والجريمة.
وإذا كان هناك مفر واحد، وهو الفرار للمنزل فإن الضوضاء والضجيج تسبقنا إليه، من النوافذ والشرفات تدخل أصوات الباعة وكلاكسات السيارات وحوادثها ومشاجرات المارة، والأكثر من ذلك، فإن التلفزيون لا يفوته ان «يقوم بالواجب» ربما هذا الواجب جزء من رسالته الإعلامية، إعلانات وضجيج قد تصل إلى «حد الرجاء» الصاخب لشراء المنتج المعلن عنه، برامج «التوك شو»، يحللون ظواهر العالم بالصوت العالي لا بالمناقشة والحوار، إعلانات عن الأفلام والمسلسلات «حصريا» على قنوات كذا وكذا، تحط برحالها الصاخب على «الدماغ والأذن»، ولا تلاحق العيون سرعة الصورة خاصة في أغاني الفيديو كليب، فأصبحت الصور والمشاهد نوعا من الصخب أيضاً...
مناسبات الأعياد ونهائي دوري كرة القدم، والمظاهرات والافراح، تزيد الضوضاء والايقاعات البشرية، ويرتبك الطريق وتعلو صوت المفرقات الوهمية التي أصبحت ضمن مفردات الأعياد وكأن الفرح بالمناسبات لابد وأن يكون صاخباً ليشترك فيه الشعب كله، فعلى عكس ما تقوله الأغنية الشهيرة لإسماعيل يسن «الفرح فرحنا»، فالفرح الآن هو فرح الناس جمعاء.
ونرجع للخبراء فهم الفيصل دائما بأبحاثهم العلمية الهادئة.. يقول الدكتور «عدنان اللحام» رئيس اللجنة العلمية الأردنية: إن الضجيج والتلوث الضوئي يؤثران على المدى البعيد على الجهاز العصبي الذاتي والجهاز العصبي المركزي مما يؤدي إلى اضطرابات في إفراز الهرمونات وخاصة هرمون الادرينالين الذي يفرز من غدة فوق الكلى، ويؤثر ذلك على ضربات القلب وسرعة النبض.
وتركز دراسة ألمانية من معهد بحوث آثار الضجيج على الإنسان بأن هؤلاء الذين يسكنون بالقرب من المطارات، هم الأكثر تعرضاً للأرق والعنف والعصبية والإصابة بطنين الأذن.
وللضجيج والضوضاء قصص مع الفن السابع «السينما» أشهرها فيلم «أضواء المدينة» لشارلي شابلن وفيلم «أشهر بالضوضاء» وهو فيلم يجمع بين «الأكشن» والرومانسية للمخرج «اليخاندرو شومسكي» وتمثيل غراند بيري و«زولاي هانو»، يعكس حياة شاب مولع بالموسيقى الصاخبة ويتأثر بها ايجابياً، وتدور الأحداث حتى يقع في قصة حب رومانسية رائعة، فيضع صخب الموسيقى العالية اللاهثة جانباً ليستمتع بكل هدوء بموسيقى القالس والتانجو والفيلم يعتبره النقاد نقطة تحول في رصد حياة المهمشين في المجتمعات وخاصة الأميركية.
الفيلم من إنتاج جنيفر لوبيز.وقد دخلت السينما المصرية عصر الضوضاء والضجيج أيضاً، من أهم الأفلام التي تعكس هذه الظاهرة في المجتمع المصري فيلم «هي فوضى» بطولة خالد صالح من إخراج يوسف شاهين وخالد يوسف، ويعكس ظاهرة الفوضى في العشوائيات بصفة خاصة، وهو فيلم أثار الجدل والنقد في مجال السينما المصرية..
وكان علي أمين ومصطفى أمين يكتبان أحلى نتاجهما الصحافي والأدبي في مقهي «جروبي» بين الزحام وعلو الأصوات وعبق المشروبات واحتكاك الأشواك والملاعق، وضحكات الصغار الذين اصطحبهم الأهل لجروبي لتناول الحلوى والآيس كريم.
وقد عرف مقهى «ريش» بالقاهرة بالزحمة الشديدة وكان دائم الحضور فيه الكتاب والشعراء والصحافيون ـ يتأملون ويكتبون، ويمتلئ دماغهم بمخزون مرئي ناجم عن رصد حركة المكان.
وكان إحسان عبدالقدوس، لابد من تناوله قهوة الصباح في نادي الجزيرة في شرفة «البرجولا» وهو مكان مزدحم بالنادي العريق، يتأمل ويرصد ثم يأخذ المخزون ومذاق القهوة الصباحية ويذهب لمكتبه الذي يضج أيضاً بالضوضاء ليكتب ويبدع.
ومن رواياته التي استلهم أحداثها من شاطئ «ميامي» بالاسكندرية رواية «النظارة السوداء» التي تحولت لفيلم من بطولة نادية لطفي، وعرف هذا الشاطئ العريق بالازدحام وتعانق الشماسي وباعة الحلويات والمسليات ورائحة الذرة المشوية.
أما العندليب الأسمر «حليم» الذي خرجت عبقريته من تحت عباءة المرض، لا يحفزه على الغناء في حفلاته التي جاب فيها العالم سوى ضجيج التصفيق، وتعالي الهتافات والصفير فيبدأ يتمايل مع الأوركسترا بقيادته، ويبدأ الغناء، وكل حفلاته شاهدة على ذلك، ولكن بصفة خاصة حفلاته في باريس التي غنى فيها «قارئة الفنجان»، وهي أغنية الختام لفنه وحياته معاً.
منى مدكور



