يعالج جورج قرم بإسهاب في كتابه «أوروبا وأسطورة الغرب» الأطروحات الأساسية التي ساهمت في بناء التاريخ الأوروبي وأساطيره المؤسسة. هكذا يبحث في دور أسطورة الحروب الصليبية في الذاكرة الأوروبية وفي أشكال التشوش والإبهام التي يتضمّن عليها مفهوم الحضارة نفسه في الثقافات الأوروبية.
وتتم في هذا الإطار مناقشة أفكار مؤرخين من أمثال جاك لوغوف، الأخصائي بالعصور الوسطى الأوروبية، وفرنان بروديل، صاحب كتاب «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني»، وأحد مؤسسي مدرسة الحوليات.
ومن خلال دراسة التداخل بين جميع «الأساطير المؤسسة» حيال الجذر المسيحي والنزعات الفردية الأوروبية وبعد التأكيد على واقع الإرث المعقّد والمثير للجدل للمسيحية في تاريخ القارة الأوروبية يطرح جورج قرم السؤال التالي: هل معجزة الحداثة الأوروبية هي استثناء في التاريخ؟
كما يبحث المؤلف في «الأشكال الجنينية المعقّدة لقوة أوروبا المستقبلية، حيث يؤكد على «الدور المنسي» الذي لعبته المدن الإيطالية والفاتيكان في ولادة رأسمالية القرن الثاني عشر وفي تشجيع الاكتشافات مما زاد من ثراء الثقافات الأوروبية عبر تفاعلها مع الثقافات الأخرى.
بالتوازي مع ذلك تكوّنت رؤيات جديدة للعالم ساهمت في دفع عجلة الحداثة الأوروبية إلى الأمام. كما يتم التأكيد في هذا السياق على أن تدفقات المهاجرين لم تكن غريبة عن النجاح الاقتصادي الذي شهدته القارة الأوروبية. لكن عبر تلاقي مجموعة من الروافد المتنوعة برزت ملامح «تمزقات أوروبية» عديدة تزامنت مع أسطورة وحدة الغرب.
ويستعرض قرم أهمية الفكر الفلسفي الألماني في سياق التاريخ الأوروبي الحديث، فيبيّن في فصل آخر كيف أن الفكر اليهودي، وعلى خلفية أزمة الإيديولوجية الألمانية وتعميم الفكر المناهض لأطروحات عصر التنوير، بدأ وكأنه وسيلة لنشر «النزعة المادية الحديثة».
كما يتوقف عند التاريخ الأوروبي الذي ساهم في صياغة عالم القرن الحادي والعشرين، وذلك بالتزامن مع تعزيز دور الليبرالية الانكلوسكسونية الجديدة ثم «التشكل العسكري للغرب» غير الحلف الأطلسي في فترة الحرب الباردة.
وتعزز التوجه أكثر مع نهاية «الأسطورة الروسية» وانتصار النزعة المحافظة الأميركية. ومحصلة هذا كله لاحت في الأفق إمكانية سيطرة الغرب على العالم. وبرز الشرق الأوسط في هذا السياق أنه في «قلب الصدام الجديد بين رؤيات العالم المختلفة».
ويشرح جورج قرم في رده على سؤال أين تمضي أوروبا في شؤون العالم؟ حقيقة الصعوبات التي تعيق تقدّم القيم الديمقراطية في العالم، وفي مقدمتها أنماط السلوك الغربي نفسها وسيادة رؤية مختزلة و«نرجسية» لدور أوروبا والغرب عامة وما يترتب على ذلك من «عماء» القادة الأوروبيين وعدم قدرتهم على ما يجري حقيقة في العالم.
ويحمل الكتاب «الثري» رسالة تطالب بتحرر أوروبا من أساطيرها ومن قيودها الفكرية، والانفتاح حقيقة على العالم، وذلك كي تبقى قطبا ذا رسالة سياسية قوية.
الكتاب: أوروبا وأسطورة الغرب
تأليف: جورج قرم
الناشر: لاديكوفيرت باريس 2009
الصفحات: 319 صفحة
القطع: المتوسط
L'Europe et le mythe e l'Occident
Georges Corm
9002 siraP -etrevuocéD aL
319P.
