«يكشف» انتوني بيفور المؤرخ البريطاني للمرة الأولى في كتابه «اليوم الكبير.. المعركة من أجل نورماندي» عن مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية، وعن نقص وفجوات كبيرة في التحضير لعملية الإنزال البحري كانت على وشك إلحاق الهزيمة بالحلفاء.
إنه يتوقف طويلا عند تفاصيل صغيرة، لكن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تكون ذات أهمية استراتيجية في الحروب، كما يقول. و«الشيطان يكون في التفاصيل على ساحة المعركة» أكثر مما يكون في أي مكان آخر.وينقّب المؤلف في العديد من الأراشيف الأميركية والبريطانية والروسية، كما يقوم بفحص دقيق للأماكن التي جرت فيها المعارك بمنطقة النورماندي الفرنسية، حيث استغرق البحث أكثر من ثلاث سنوات كاملة ليؤكد أن أشكالا من الفوضى ومن التصرفات غير المدروسة «المرتجلة» والأخطاء الاستراتيجية التي اقترفها الحلفاء عرّضت انتصار الحلفاء للخطر.وما يؤكده بيفور هو أن عملية الإنزال البحري نفسها كان قد جرى التحضير لها وتنفيذها بدقة متناهية. ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لما تلاها، ذلك أن «معركة نورماندي» أظهرت الكثير من الارتجال، كما بدت شديدة القسوة والعنف. هذا خاصة أنها واجهت قوات ألمانية كانت متمركزة في عين المكان منذ ثلاث سنوات.
إن هذه الآراء التي يقدمها المؤلف تتباين كثيرا، بل وتتناقض مع تلك الفكرة المسيطرة على أذهان الكثيرين والقائلة ان معركة النورماندي لم تكن سوى «مسألة شكلية» وأن نتيجتها كانت محسومة قبل الشروع فيها. ما يؤكده المؤلف هو أن الحقيقة كانت على عكس ذلك. ويشرح المؤلف على مدى العديد من صفحات الكتاب التصميم الذي أظهره الألمان وما أبدوه من شراسة في القتال.
ويشير أنتوني بيفور إلى الخلاف في الخطاب المستخدم بين الحلفاء أنفسهم. ففي الوقت الذي يتم استخدام تعبير «الإنزال البحري» في النورماندي فإن الحلفاء الآخرين يتحدثون عن «غزو»، ذلك على اعتبار أن فرنسا كانت واقعة تحت الاحتلال الألماني.
وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أنه إذا كان البريطانيون يعرفون بحكم «الجوار» الجغرافي الآلام التي كان يعاني منها الشعب الفرنسي تحت الاحتلال النازي، فإن الأميركيين لم يكونوا يميّزون في الواقع بين «عدو» وبين «بلاد كان يحتلها العدو». بنفس الوقت كان تعبير «الغزو» أو «الاجتياح» يذكر الفرنسيين بما فعله الألمان النازيون ضد بلادهم.
بل ويؤكد المؤلف في نفس السياق أن شكوكا كثيرة كانت تجول في رأس العديد من الجنود الأميركيين «قبل أن يضعوا أقدامهم على الأرض الفرنسية». بل وتتم الإشارة هنا إلى أن أجواء من الحذر كانت تحوم حيال النورمانديين خاصة.
ويروي المؤلف في هذا السياق تلك القصة المعروفة، الصحيحة أو المزيّفة، ومفادها أن رتلا من الدبابات التابعة للحلفاء دخلت إلى إحدى المزارع. فخرج صاحب المزرعة ومعه كمية من شراب التفّاح المحلى الشهير في منطقة نورماندي.
وبعد أن شرب الجنود ما تيسّر منه طالبهم صاحب المزرعة ب100 فرنك ثمنا لذلك. احتج الضابط الأميركي الشاب، فقال المزارع: «ما الذي يدعوكم للشكوى، فإنني لم أكن أطلب من الألمان سعرا أقل».
بل ويروي المؤلف أن بعض الفرنسيين أطلقوا النار على جنود الحلفاء، ودون إمكانية الخروج بأية نتائج سوى القول انه كانت هناك أسباب شخصية لذلك. أو أحيانا لأسباب عاطفية، ويذكر المؤلف أن تشرشل كتب رسالة إلى وزير خارجية انطوني ايدن أكد له فيها أن عددا من النساء الفرنسيات أطلقن النار عليهم وعلى الجنود الأميركيين.
لكن مقابل هذا كله، يشرح المؤلف أن معركة «نورماندي» كانت أحد أكبر المنعطفات في مسار الحرب العالمية الثانية، ذلك بسبب النتيجة التي آلت إليها، وكان يمكن أن تؤول إلى نتيجة معاكسة.
ويتم التأكيد أنه لو كان الحلفاء قد انهزموا في تلك المعركة فإن نتائج ذلك كانت بالتأكيد بمثابة كارثة جيوسياسية كبرى بالنسبة لأوروبا. ففي تلك الحالة ما كان لشيء أن يمنع الجيش الأحمر من أن يندفع حتى المحيط الأطلسي.
ويؤكد أنتوني بيفور أنه كان هناك تباين بين الاستراتيجيتين، الأميركية والانجليزية، في تلك المعركة. فونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني كان يخشى كثيرا وقوع ضحايا كُثر في صفوف جنوده بينما كان الأميركيون يريدون الانتهاء بسرعة من تلك المعركة إذ كانت أمامهم حرب أخرى في منطقة المحيط الهادي .
أما الجنرال شارل ديغول فقد كان يريد من جهته أن ينهي «حربه» ضد المارشال بيير بيتان وحكومته التي تعاملت مع الألمان.
الكتاب: اليوم الكبير المعركة من أجل نورماندي
تأليف: انتوني بيفور
الناشر: فايكنغ لندن 2009
الصفحات: 602 صفحة
القطع: المتوسط
D-day: the battle for Normandy
Antony Beevor
Viking - London 2009
608P.

