تروي جان وونغ في كتابها«بكين الخفية» سيرة العودة إلى الصين بعد 33 سنة من وشايتها بتلك الطالبة وتسليمها للسلطات الشيوعية التي لم تكن تتحلّى بالكثير من الرحمة في ظل قيادة ماوتسي تونغ.

وتؤكد أن الشاغل الأول الأكبر لها، كما تقول، في زيارتها للصين بعد غياب طويل هو البحث عن تلك الشابة التي لا تزال قضيتها «تُثقل على ضميرها». وتؤكد أنها بذلك كل ما تملكه من طاقات كي تقدّم لها اعتذاراتها أو كي «تصحح» بطريقة ما خطأها وربما تقديم تعويض مادي، أو على الأقل معرفة إذا كانت قد بقيت على قيد الحياة.إنها تعود طويلا إلى ذلك اليوم الذي قالت لها فيه تلك الطالبة: «أريد الذهاب إلى أميركا، هل تستطيعين مساعدتي»؟ وتذكر جان يونغ كيف أنها أمضت طيلة مساء تلك الليلة وهي تناقش مع صديقتها «ريكا» ماذا ينبغي فعله. هذا مع تأكيدها القول: «لم يكن مطروحا على الإطلاق مساعدة تلك الطالبة الغريبة على الذهاب. ذلك أن العمال والفلاّحين كانوا قد دفعوا كلفة تعليمها وكل من كان يقبل ذلك الامتياز توجّب عليه أن يبقى في الصين من أجل المساهمة في تنمية البلاد وتطويرها.

لم نكن نستطيع إذن أن نفعل أي شيء من أجل تلك الطالبة. بالطبع كانت فكرة الوشاية بها تصيبنا بالغثيان. لكن قررنا أن ذلك الإحساس بالغثيان ليس أكثر من أحد مظاهر النزعة العاطفية البورجوازية الغربية التي كنا نحاول أن نتغلّب عليها».

وكان القرار الذي اتخذته المؤلفة-الطالبة الشابة الثورية آنذاك هو إخبار أساتذتها بـ «الحلم الأميركي» الذي كان يراود مخيلة «ين ليواي». الأساتذة لم يكونوا في ذلك الوقت سوى عناصر فاعلة، بالضرورة، في الجهاز الحزبي. بعد شهر واحد من تلك الحادثة غادرت جان يونغ الصين متوجهة إلى مونتريال بكندا. دون أن تعرف ما الذي جرى بعد ذلك مع تلك الطالبة «البائسة».

ومن خلال ذلك الحدث المحدد الذي يعود تحديدا إلى عام 1973 تقدّم المؤلفة توصيفا لتلك الذهنية التي تمتّع فيها الشباب الذين شدّتهم آنذاك مبادئ «الثورة الثقافية» التي أطلقها ماو تسي تونغ بقصد دفع «المناضلين» الشيوعيين من أبناء المدن إلى الأرياف ومشاركة الفلاّحين حياتهم وبنفس الوقت رفع مستواهم التعليمي و«وعيهم الثوري».

للوهلة الأولى يبدو الكتاب «بكين الخفية» كأحد كتب أدب الرحلات، على غرار ما فعله ماركو بولو وحيث كانت المؤلفة قد أقامت في الصين 28 يوما في صيف عام 2006 برفقة زوجها وولديهما، لكن مع الذهاب أبعد في القراءة يجد المرء نفسه برفقة هذه الصحافية الكندية في شوارع بكين وأزقتها حيث «يكتشف»، معها أيضا، عادات وتقاليد المجتمع الصيني.

وفي مطلع هذه الاكتشافات واقع أن الصين اليوم مصابة بنوع من «فقدان الذاكرة» الثقافية حيال الحقبة المادية، هذا رغم أن الحزب الشيوعي لا يزال رسميا هو المسيطر على الأمور.

ذلك الماضي «تجرفه» يوميا، «البلدوزرات»، كما تقول المؤلفة. السائد هو «إيقاع التغيير» أكثر من أي شيء آخر، بوجود كمٍ لا يحصى من مظاهر الرأسمالية في بلد استقبلت في صيف عام 2008 بكثير من «البذخ الرأسمالي» الألعاب الأولمبية.

وعبر ملاحظة الأشياء الصغيرة تصل المؤلفة إلى فهم الأشياء «الكبيرة». هكذا مثلا تتوقف أمام ما تراه أمامها على لوحات إعلان درجات الحرارة التي تشير إلى أنها كانت في بكين 32 درجة.

الواقع كان يشير بوضوح أن الحرارة أعلى بكثير. وفهمت المؤلفة أخيرا أنه يوجد في الصين قانون يعود إلى سنوات السبعينات ويسمح للعمال في التمتع بيوم عطلة من العمل إذا زدات الحرارة عن 33 درجة. لذلك تبقى مؤشرات الحرارة «الرسمية» دون هذه العتبة.

وحكايات كثيرة أخرى عن «المدن المكرّسة حصريا لأصحاب المليارات» وعن «الأحياء الساخنة» في بكين. باختصار إنها رحلة في عالم «بكين الخفية».

الكتاب: بكين الخفية

تأليف: جان وونغ

الناشر: دوبلداي كندا 2008

الصفحات: 336 صفحة

القطع : المتوسط

Beijing Confidential

Jan Wong

8002 adanaC - yadelbuoD

.P633