يطرح الكتاب تساؤلاً حول المكانة التي وصلت إليها الولايات المتحدة الأميركية وما إذا كانت نتاجاً للحتمية التاريخية التي تدخلت قوى وعوامل لا دخل للإرادة الإنسانية في صياغتها.
ورسم توجهاتها (اتساقاً مع فكرة الاختيار الإلهي) لتزيح قوى كبرى فاعلة على مسرح السياسية الدولية وتحل محلها، ولتمهد من جهة أخرى لحالة التفرد الأميركي، أم أن الأمر لا يعدوا إلا استثماراً عقلانياً لظروف مواتية أسهمت في تشكيلها وبنائها الإرادة الإنسانية المغلفة بالنزعة البراجماتية.
يستعرض الدكتور عبد القادر فهمي الأسس البنيوية للفكر السياسي والاستراتيجي الأميركي من خلال عدة محاور. المحور الأول وهو المحور الفكري الديني (الأيديولوجية الدينية) مشيراً إلى أن المجتمع الأميركي يجمع ما بين نقيضين يصعب التوفيق بينهما. فهو مجتمع علماني يفصل بين الدين والدولة.
ويمنع دستوره اعتماد دين معين، ويمنع تداخل وتضارب صلاحيات الدولة والكنيسة. إلا أن هذا المجتمع مجتمع مدني متدين ، يشكل المتدينون فيه نسبة تتجاوز 80%.
وهذه الخاصية المركبة التي تجمع ما بين علمانيين ومتدينين، يمكن وصفها بالدين المدني الذي ارتضاه الجميع، وهو نوع من الاقتناع الشعبي لا تختلف في نهايتها الفكرية الإيمانية عند العلمانيين والمتدينين. وهو نقطة التقاء بين المعتقدات والالتزامات الدينية والفلسفية الغربية وبين المعتقدات الشعبية لدى الأميركيين عامة.
ويشكل بذلك قاسماً مشتركاً للأكثرية المعتدلة من الأميركيين على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، وحتى من لا يمارسون الفروض والطقوس الدينية. والمحور الثاني وهو المحور السياسي ـ الاقتصادي الذي تشكل بأسلوب تراكمي عبر الزمن وكان للحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) ما بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي دوراً كبيراً في ترسيخه.
وهو ما طرح فكرة الارتباط ما بين القوى السياسية والاقتصادية وعزز من توجه الدولة نحو مزيد من الحرية الاقتصادية، وبعيداً عن الأفكار الرومانسية التي نادى بها الاقتصاديون الأوائل، بل حدث التوجه نحو مزيد من السيطرة والاحكتار والتكتل لتدعيم فكرة الدولة القوية .
وبالتالي عبرت تلك التوجهات الاقتصادية عن نفسها سياسياً، أي في صورة إدارة وتوجيه أهداف ومحتوى نشاط الدولة وفق أهداف ومصالح الطبقة الاجتماعية صاحبة السلطان والنفوذ الاقتصادي أو القابضة على مقدرات البلاد. وتم التعبير عن تلك النخبة من خلال قياداتها وأحزابها وتنظيماتها والعلاقات فيما بينها، وهي جميعاً قضايا نابعة من أوضاعها الاقتصادية، والتي تنعكس في تفكيرها ونمط ثقافتها ورؤيتها للحياة.
أما المحور الثالث وهو المحور الفكري ـ البراجماتي فهو اتجاه فكري فلسفي يركز على المنفعة كقيمة عليا، وتكمن في القدرة على تحقيق المصلحة الذاتية. وظهر هذا الاتجاه كنتاج للتحولات التي مر بها المجتمع الأميركي خلال تحوله من مجتمع زراعي تقليدي إلى مجتمع صناعي معاصر ليتربع بعد ذلك على عرش الثقافة الأميركية، ومكوناً ما اصطلح على تسميته بالفكر الأميركي الرسمي، وليسهم في توجيه وتحديد توجهاته وتفاعلاته وأنماطه.
ولتصبح بالتالي السياسة الأميركية الترجمة السلوكلية الحقيقية لنمط التفكير البراجماتي. كذلك عبرت تلك الفلسفة عن نضج تيار فكري واكب مرحلة تطور النزعة التجارية ـ الصناعية التي أصبحت تشكل واحدة من أهم السمات الأساسية المميزة للشخصية الأميركية.
ويتحدث المؤلف عن أدوات السيطرة والتحكم على الصعيد العالمي لاستكمال المشروع الأميركي للهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. على المستوى الاقتصادي أكدت السياسة الأميركية باستمرار على تنمية علاقاتها الاقتصادية مع باقي دول العالم.
ومن بين المؤسسات التي أسهمت الولايات المتحدة في تأسيسها، مما عزز سيطرتها على العالم على المستوى الاقتصادي، صندوق النقد والبنك الدوليان الذان يعملان وفق آلية تقود إلى تبعية سياسية واقتصادية تماشياً مع برامج التكيف الهيكلي التي تحتم القيام ببعض التحولات الجذرية في الهيكل الاقتصادي للدول الراغبة في الحصول على المساعدات المالية والتنموية من هاتين المؤسستين. ومشروع «مارشال» المقدم عام 1947 بغرض إنعاش اقتصاد أوروبا الذي انهار بعد الحرب العالمية الثانية وبسببها.
وكان لهذا المشروع بعض الأهداف السياسية ـ الأيديولوجية لمنع وقوع الدول الأوروبية تحت الاستقطاب الاشتراكي، والتوجهات الاقتصادية التي تهدف إلى أن تكون أسواق أوروبا سوقاً لتصريف منتجات الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم نسج روابط اقتصادية قوية، ساهمت في تعزيزها صورة أميركا الكريمة والنزيهة والواعدة.
والتي تم تسويقها لدى الراي العام العالمي، بحيث لا تتمكن أوروبا من أن تقف بمفردها دونما الدعم الأميركي. وعلى المستوى السياسي ـ الدبلوماسي تشكل المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأم المتحدة ثمرة سياسية لجهد عسكري كلل نجاح الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، كما تعمل على دعم الهيمنة على المستوى العالمي.
وأداة لصياغة نظام عالمي جديد يتوافق وإرادة الدول المنتصرة في الحرب ويتماهى مع طموحاتها. كما أن مفردات الشرعية الدولية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي استخدمتها الولايات المتحدة واستعانة ببعض الأنظمة، ومعها المنظمة الأممية، كانت ذرائع للتدخل العسكري لتغير الأنظمة لأخرى تكون أكثر موالاة للولايات المتحدة في إطار سعيها لإحكام سيطرتها على الصعيد العالمي.
وعلى المستوى الاستراتيجي العسكري ـ الأمني استخدمت الولايات المتحدة عدة استراتيجيات في إطار صراعها الأيديولوجي مع العقيدة الاشتراكية والمعسكر الشرقي السابق الممثل لها. ومن هذه الاستراتيجيات: استراتيجية الاحتواء، والانتقام الشامل، والاستجابة المرنة، والتدمير المؤكد.
وإلى جانب تلك الاستراتيجيات الأمنية تقف القوة العسكرية بشقيها التقليدي والنووي، ومنظمة حلف شمال الأطلطني التي لا تزال تحتفظ بدورها الاستراتيجي على الرغم من زوال حلف «وارسو» الذي كان يمثل الخصم في السابق، وذلك لأهداف لا يمكن إسقاط حاجة الولايات المتحدة لها استناداً لأدوارها العالمية المترامية.
الكتاب: الفكر السياسي والاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية
تأليف: د. عبد القادر محمد فهمي
الناشر: دار الشروق للنشر والتوزيع عمان2009
الصفحات: 245 صفحة
القطع: الكبير
محمد جمعة
