ادرت صحيفة «أوبزرفر» اللندنية إلى إنتهاز فرصة زيارة الروائي العربي من مصر علاء الأسواني لعاصمة الضباب للترويج لمجموعته الصادرة مؤخراً في ترجمتها إلى الإنجليزية بعنوان « نيران صديقة » لإجراء هذا الحوار معه، حيث أعرب عن اعتقاده بأن الأدب بالنسبة له أسلوب للإعراب عن حبه للناس.
وقال إنه يرى في الإبداع صرخة اعتراض تطلق مدوية في وجه الخوف والرعب، وألقى الضوء على الظروف التي رأت فيها مجموعته النور، مشدداً على رفضه لتصنيف الأدباء على أساس العرق والجنسية، وتنبأ بأن الديمقراطية ستشق طريقها إلى مصر، ومن ثم تغدو نموذجاً يمكن تبنيه على الصعيد العربي. وفيما يلي نص الحوار:
ارتشف علاء الأسواني، مؤلف أفضل الروايات مبيعاً في العالم العربي، ما تبقى في قدح قهوته في الركن الهادئ الذي احتله من فندق جور في كنسنجتون بلندن، ومال برأسه إلى الوراء فيما يقترب من الرضا، وإن لم يكن كذلك تماماً، فهو يتوق إلى تدخين سيجارة، وهو الأمر الذي لا يمكنه القيام به، كيفما طاب له.
ولا يمكنه القيام به إلا في داره في القاهرة، حيث يستهلك المصريون 19 مليون سيجارة يومياً، أما في لندن فيتعين عليه الخروج من الفندق بكامله، والانطلاق في الشوارع اللندنية قبل أن يتمكن من إشعال سيجارته.
وترتبط زيارة الأسواني للندن بالترويج لكتابه الجديد «نيران صديقة»، وهو مجموعة قصصية تضم قصة طويلة بعنوان «أوراق عصام عبدالعاطي» ظلت محظورة النشر في مصر على امتداد عشر سنوات.
ويبتسم الأسواني عندما يتطرق الحديث إلى الرواية والقصة والمقارنة بينهما، ويبادر إلى القول: «إن القصة القصيرة هي لحظة استنارة، لحظة رؤية، والقصة تسقط على رأسي كالتفاحة.
ولكن فيما يتعلق بالرواية فإن هناك مدرسة فكرية، وأنا أتفق معها، تذهب إلى القول إننا نخترع الروايات، وإنما نحن نكتشفها، فالرواية توجد في فؤادي وفي خاطري، ويتعين علي التركيز لأقوم بانتزاعها. والأمر ليس كذلك بالنسبة للقصة، فمقدوري الحصول على فكرة قصة الآن فيما أنظر إلى من يجاذبني أطراف الحديث.
إذن فهل يشتغل على عمل يقتضي التنقيب طويلاً الآن؟
يرد الأسواني: بالطبع، فليس بمقدوري التوقف، وهناك رواية لدي على الدوام، فأنا أحب الناس، والأدب طريقة مدهشة للتعبير عن ذلك الحب، ومعاناتهم تحفزني وتدفعني للكتابة.
وباعتزاز يبادر الأسواني إلى إبراز صورة تبرز محياه في ملصق هائل في مترو الأنفاق بباريس، ولكن هذا الاعتزاز يأتي جنباً إلى جنب مع الحقيقة القائلة إن الكتابة لا تحقق له عائداً يذكر في بلاده.
حيث نادراً ما يدفع الناشرون للمؤلفين حقوقهم، وهو يقول إن مستحقاته من نشر رواية «عمارة يعقوبيان» غطت بالكاد تكلفة ما يشربه من القهوة وما يدخنه من السجائر، وبالتالي فإنه لن يتخلى عن عيادة الأسنان التي يعمل بها في حي جاردن سيتي.
ويتابع: إن المجتمع كائن حي، ولابد لك من مسايرته ومتابعته، وهذا هو السبب في أنني مازلت أواصل الاشتغال بطب الأسنان، وإن كان ذلك يقتصر على يومين في الأسبوع فقط، وأنا لن أغلق العيادة أبدا، فهي نافذتي، وأنا أفتحها لأرى ما يجري في الشارع، فلا يمكنك الانفصال عن الشارع، وبالنسبة لي ككاتب فإن تلك غلطة شائعة.
ويمكن بسهولة أن تكون موضع ترحيب كل ليلة من أكثر الناس ثراء وأعظمهم نفوذاً، ولكن ذلك أمر خطير لأن تلك العلاقة مع الشارع هي التي جعلتك ناجحاً في المقام الأول.
هل هو شخصية مشهورة الآن في مصر؟
يرد الأسواني: إنني أحظى بتقدير كبير، ولكن كلمة «شهير» تعني أن الناس يتعرفونك ولكنك لا تتعرفهم، ولست أظن أن هذا شيء مهم للغاية، فالكثيرون مشهورون وهم لم يفعلوا شيئاً يذكر.
إن التقدير هو المكافأة الحقيقية، لا الشهرة. ولو أنني كان بمقدوري أن يكون لي عشرة آلاف من القراء الذين يقدرونني حق التقدير أو كان لدي مليون شخص يتعرفون محياي، فإنني سأختار العشرة آلاف قارئ.
ولا يتردد مؤلف «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» في الإعراب عن تمسكه الشديد بالديمقراطية، التي يقول إنه ملتزم بها التزاما حقيقياً، وإنه لا يستخدمها لأغراض سياسية، وإنه يؤمن بها بحيث أنه لن يتردد في قبول ما يختاره الشعب، حتى ولو كان يختلف بشدة مع هذا الاختيار.
وهو يقول إنه يعتقد أنه في نهاية المطاف يظل الصراع الأكبر والأكثر أهمية ليس ذلك القائم بين الأوتوقراطية والديمقراطية، وإنما بين التفسير الأكثر تسامحاً للإسلام في مصر وبين الرؤية الأكثر تشدداً التي أطلت في الثمانينات من القرن العشرين.
وعلى الرغم من ارتباط الأسواني بممارسة طب الأسنان، فقد كان مقدراً له على الدوام أن يصبح كاتباً، فقد ولد في القاهرة في 1957 لأب يعمل محامياً ويكتب الرواية، هو الأديب عباس الأسواني الذي نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1972، ويقول علاء الأسواني عنه: لقد كنت محظوظاً، حيث كان ليبرالياً للغاية، وقد كان أول أستاذ في الأدب بالنسبة لي، حيث أطلعني على ما ينبغي أن أقرأه وما يتعين ألا أهدر وقتي فيه.
تلقى الأسواني تعليماً تقليدياً فرنسياً في الليسيه بالقاهرة ثم درس طب الأسنان في كلية الطب بجامعة القاهرة، ومضى إلى شيكاغو لتلقي الدراسات العليا في التخصص نفسه بجامعة إيلينوي. وقد كانت فكرة البقاء في الولايات المتحدة مغرية بالنسبة له، حيث يقول: لقد كان علي العودة إلى ناسي، من أجل الأدب.
ويرجع جانب على الأقل من النجاح الدولي الذي أحرزه الأسواني إلى الحقيقة القائلة إن رواياته التي تضم جميع شرائح المجتمع المصري من رئيس تحرير صحيفة إلى خادم في البيوت.
والتي تكشف النقاب عن أكثر الرغبات مدعاة للخجل وغرقاً في السرية قد قدمت للقراء حسب تعبير صحيفة «نيويورك تايمز» ما يمكن وصفه بأنه «لمحة مدهشة» من مجتمع لا يعرف الكثيرون شيئاً يذكر عنه. وفي قمة نجاح روايته «عمارة يعقوبيان» كانت كارين هيوز، المستشارة الإعلامية للرئيس بوش تضع هذه الرواية على المنضدة المجاورة لفراشها.
لكن الأسواني لا يتردد في الإعراب عن كرهه للتفكير فيه باعتباره كاتباً عربياً، حيث يقول: «إنني ضد تقديم الأدب على أساس عرقي، ويتم دفعي شيئاً فشيئاً لأكون كاتباً عربياً، لكنني أفضل أن أنظر إلى نفسي على أنني جزء من جمهورية الأدب.
والموضوعات التي تدور حول «الآن» ليست بالموضوعات المهمة للغاية، وإنما الموضوعات الإنسانية هي المهمة، وذلك هو السر في أننا لانزال اليوم نقرأ كاتباً مثل دوستويفسكي.
منى مدكور
