يعتبر جيمس جويس «1882 ـ 1941» واحداً من أكبر عباقرة الرواية العالمية في القرن العشرين. وقد انفجرت عبقريته الخيالية واللغوية في أول رواية له، هي رواية «صورة الفنان في شبابه» التي مهّدت لانجاز روايته العظيمة « عوليس ».

وفي عام 1917، استطاع ازرا باوند أن يقنع أحد الناشرين في نيويورك بإصدار «صورة الفنان في شبابه». وعن هذا العمل، كتب مقالاً أشار فيه إلى أن جويس يكتب نثراً نادراً في اللغة الانجليزية، نثراً يذكر بفلوبير وهو نثر «صلب، صاف، من دون غزارة في الكلمات، ومن دون تراكم لجمل غير مفيدة، ومن دون صفحات مليئة بالثرثرة الفارغة، والموجعة للرأس».

وفي مقال نشره في ربيع عام 1918، كتب باوند يقول متحدثاً عن «صورة الفنان في شبابه»: ان هذه الرواية هي أدب حقيقي. وقد أصبحت بالنسبة إلى البعض بمثابة الإنجيل.. في كل صفحة من صفحاتها، بإمكاننا أن نعثر على تناوب بين الجمال الذاتي والفقر الخارجي حيث الوسخ والمظاهر البشعة. وما أعتقد أن الروائيين المعاصرين يمتلكون القدرة على بلوغ نغمتها الفنية العالية».

تبدأ الرواية بذكريات بطلها ستيفن ديدالوس أثناء طفولته. بعض هذه الذكريات يميل إلى السعادة والحبور وبعضها الآخر يصور لحظات الخوف والرهبة. تقول له مربيته انه إذا لم يعتذر عن خطأ قام به فإن النسور سوف تقتلع عينيه، فيشعر الطفل، ذو الحس المرهف، للمرة الأولى، بالخوف والوجل من عالمه الذي يعيش فيه.

يصبح ستيفن أحد أفضل الطلاب في مدرسته. لكنه يعاني من العزلة والوحدة بين أترابه، وعلى الصعيد الاجتماعي عموماً، ويستضعفه الأولاد الآخرون فيزدرونه.

وعندما يعود في أحد الأيام ليقضي حفلة مع عائلته بمناسبة رأس السنة يصاب بخيبة أمل كبيرة، فقد تحولت الحفلة إلى جدل حاد حول أحد الشخصيات السياسية الأيرلندية، الذي سببت تصرفاته تفرّق الأيرلنديين شيعاً وأحزاباً، وتفرّق أهل ستيفن نفسه داخل بيتهم، ويصل الجدال في تلك الحفلة إلى التشابك بالأيدي بين أبيه سيمون وأحد الضيوف ومربيته. وفي هذا الجو يشعر ستيفن بالضياع والتيه.

في المدرسة يكتشف ستيفن أن رجال الديانة النصرانية يمكن أن يظلموا ويتصرفوا بلا ورع أو تقوى، كما يدعون. كان ذلك عندما عاقبه القسيس القاسي القلب، دولان، عقاباً غير عادل، فاستجمع قوته وذهب شاكياً إلى مدير المدرسة، وهو قسيس آخر، وأبلغه بما حصل، فوعده الأخير بإنهاء آثار المشكلة.

وكان ستيفن يعد هذا نصراً مؤزراً، وكان هذا النصر مبعث نشوة وفرح له خصوصاً عندما حيا زملاؤه جرأته وشجاعته، لكنه يكتشف أخيراً أن القسيسين يقهقهان تندراً به وبعقله.

بعد ذلك تواجه أسرته صعوبات مالية قاسية تضطره إلى التوجه لكلية بلفدير اليسوعية معيداً فيها، وهناك يبرز كاتباً مبدعاً ويستكشف قدراته ومواهبه في عالم الكتابة والكتب. ثم يتم اختياره لزعامة إحدى الجمعيتين الدينيتين في هذه الكلية، لكنه يشعر كالسابق بعزلته عن الآخرين رغم احترام زملائه له أحياناً وحنقهم عليه أحياناً أخرى.

ويعاني ستيفن كثيراً من الإحراجات التي جلبتها له تصرفات أبيه الرعناء من تعاطيه السكر، ومن تبذير أخيه سايمون ديدالوس دخل أسرته الذي أدى بها إلى الفقر المدقع.

لكن الجوائز المالية، التي كان ستيفن يكسبها بين حين وآخر بجهده واجتهاده عند حصوله على معدلات عليا في الدراسة، كانت تساعد أحياناً على قضاء حوائج الأسرة. ورغم ذلك النوع من التعاون المالي إلا أن الفجوة الثقافية بينه وبين والديه كانت تشعره دائماً بالعزلة عنهم وكأنه ليس ابناً لهم.

إن شخصية ستيفن في هذه الرواية شخصية ديناميكية ومتحركة ومتغيرة، وهي في بعض الأحيان متناقضة، فتراه خائفاً لكنه جريء، وهو لا يشعر بالأمان لكنه فخور ومتعال في الوقت نفسه، تراه وحيداً يعاني العزلة مع أنه يخاف سيطرة العواطف، ومنعزلاً يتلقى التعليقات اللاذعة من زملاء الدراسة لكنه يبدو في أماكن أخرى بطلاً شجاعاً يقف ويتساءل عن شرعية السلطة المفروضة. ويأخذه الورع أحياناً فيطمح أن يصبح راهباً، وفي أحيان أخرى تراه يرفض كل ما يمت لدينه بصلة.

كل هذه الجوانب المتناقضة لشخصية ستيفن توحدها الرغبة الجامحة في أن يصبح فناناً مبدعاً. فهو عند بداية الرواية يهتم، وهو الطفل الصغير، بطريقة أداء أحد الأناشيد، ثم يعيد نظمها فيما بعد، وأخيراً تراه يبلور نظرياته الخاصة في الفن. وفي نهاية الرواية يهجر كل ما يمكن أن يشغل باله عن الفن والكتابة، فيترك دين أبويه وأسرته ويهاجر إلى بلاد جديدة.

وكانت سنة قاسية امتحنته فيها الأيام بالمصائب، وألفى في الخمرة كما ألفى أبوه من قبل مفزعاً يذيب فيها آلامه، ومكث في دبلن يرتزق من دروس ضئيلة، ولكن غرامه بالأدب ظل متقداً وكتب قصته المعروفة (ديدالوس أو صورة فنان في ريّق صباه) مندفعاً، مضرم الهمة. وقد جلا فيها حياته المضطربة في طفولته وصباه.

وقد كان وصفه وتحليله وسبره لأغوار النفس يشي بفن روائي مستحصد ناضج، بيد أنه لم يعثر على ناشر يرضى بنشر كتابه فانصرف إلى نظم الشعر ثم بدأ له أن يتقدم إلى مسابقة غناء وكان له صوت ندي ولكنه لم يفز بالجائزة المنشودة. شاكر نوري

الكتاب: صورة الفنان في شبابه

تأليف: جيمس جويس

الناشر: 1916

الصفحات: 286 صفحة

shakirnoori1@gmail.com