تبدأ مها الحسن في روايتها «تراتيل العدم» بمقولة لسوفوكليس: «مَن حلّ اللغز الذائع الصيت وكان أشدّ الرجال اقتداراً»، لا يقتصر الأمر على استشهاد وحيد، بل يتصاعد الأمر، لتكون ظلال فرويد حاضرة، مع كثيرين من المفكّرين والفلاسفة الآخرين، وذلك من خلال الاستشهادات الكثيرة التي تستشهد بها الكاتبة، وتثبتها كمراجع أو تذييلات.

وهذا بدوره قد يثقل كاهل الرواية، من حيث تقريبها من الدراسة، بتثبيت الهوامش، التي بلغت أكثر من ثلاثين هامشاً وإشارة. كما أنّه، في الوقت نفسه، خروج وتمرّد على الطريقة الكلاسيكيّة في كتابة الرواية، بإجراء دمج بين الأجناس الأدبيّة والتنظيرات والاجتهادات الفكريّة والفلسفيّة..

قد تحيل مفردة «تراتيل» إلى جوانب دينيّة، لاسيّما أنّ الترتيل معروف في النصوص والأناشيد الدينيّة، كما قد تحيل عند إضافتها إلى العدم، أنّها تنشد العدم، أو تجعل منه أغاني يمكن إنشادها وترتيلها،..

وقد يكون ذلك نوعاً من التحايل على المعنى بقلبه، حيث ينقلب العدم إلى الضدّ عندما يغدو مضافاً إليه، لغة، يعرّفه معنيً، فيكون العدم فاعلاً عكس فعله المعروف عنه، أي يصبح وجوداً باللغة والرواية، وإن كان إلغاء لهذا الوجود مفرداً. وتكون التراتيل المعاد ترتيلها على مدار صفحات الرواية، كاملة حيناً ومُجتزأة أحياناً أخرى.

منذ البداية يظهر حرص الكاتبة على إكمال ما بدأته في روايتيها السابقتين «سيرة الآخر، اللامنتهي»، «لوحة الغلاف، جدران الخيبة أعلى»، كأنّما تستكمل ثلاثيّة فكريّة، من خلال إكمال مشروعها الروائيّ، خاصّة في المقدَّمة التي تتشابه فيما بينها، من جهة مشاركة الشخصيّات الروائيّة للكاتبة في إنجاز روايتها، وحيرتها المثبتة في تذييل الرواية باسمها، تكتب في مقدَّمة «تراتيل العدم»:

«في البدء كانت هذه الرواية لـ جدار، ثمّ انتقلت كتابتها إلى جوزفين، ولأسباب محض فنّيّة، أنجزت العمل باسمي أنا....». كأنّما الشخصيّات هي تسميات مؤنّثة أو مطوّرة لشخصيّاتها السابقة: «أدهم بن ورقة ـ يرقة، أو كريم الحاوي، أمين دالي»، وذلك مع إبقاء قارئها متأرجحاً بين الشكّ واليقين، بين بحث عن راوياتها في الفصول.

وفي الواقع، وفي كلّ المَظانّ المحتملة، وانشغال بالقراءة عنهنّ، فهي تُبقي الشكّ فاعلاً ومؤثّراً، عندما لا تنفي إمكانيّة العثور على الشخصيّات، كما لا تنفي خياليّتها، لتكون بالنتيجة، شخصيّات روائيّة، مركّبة من مزيج واقعيّ وآخر متخيَّل، تشارك في صنع الأحداث وكتابتها. «تتحوّل أزمنة القصّ، وتتعدّد مستويات القصّ، وتتبختر روايات العمل، وتختلط ضمائر الرواة بين حِرز، وإغماء، وسماء، ولا يستقرّ فعل القصّ على الثلاثة فقط بل يتدخّل كلّ مَن له باع في الرواية...». ص43.

تبقى الكاتبة وفيّة لفكرة تعدّد الرواة في العمل، عندما تسلّم مقاليد السرد من جوزفين إلى جدار أو إلى نفسها، لكنّ الأسلوب يبقى نفسه بين الراويات الثلاث حيث لا تنوّع في الأسلوب، ما يرسَّخ الظنّ بأنّهنّ وجوه متعدّدة في مرآتها الذاتيّة ذات الأبعاد الكثيرة، التي تعكس غنى الشخصيّة، القادرة على الإفصاح عن مكنونات النفس.

وهي تعاود أكثر من مرّة ذكر الراويات الثلاث، سواء عند مبادلة السرد بينهنّ أو عند الحديث عنهنّ، ولا تخفي ظنّها بأنّ الاشتراك قد يكون مضرّاً، لكنّها تبرّر ذلك بالضرورة الفنّيّة والفكريّة، «وأنا أرى أنّه كما سار المثل «إذا تعدّدت الأيادي في الطبخة، احترقت!».

وأرى أيضاً أنّ الضرورة الفنّيّة والفكريّة تلزمني باعتماد مستويات القصّ الثلاثة ومراحله الثلاث، والاعتراف بكلّ ما جاء في المرحلتين السابقتين لقصّي». ص81- 82.

«تراتيل العدم» لمها حسن، روايةٌ لتواريخ نمَتْ في الظلّ، وألقت بظلالها على كثيرين.. رواية الأسماء؛ الدوالّ والمداليل، محاولة لاختصار سير ومراحل عديدة.. تسرد التطوّر المفترض المهمّش، عبر التغلغل في قلب الصراعات والخرافات والأساطير، عبر وصف حالات متباينة، تتكامل لتنتج عالماً روائيّاً سحريّاً ثريّاً..

التمرد على القوالب

يبدو انهماك الروائيّة السوريّة مها حسن بالتجديد في الصيغ التي تقدّم بها رواياتها، يتبدّى تمرّدها على القوالب الجاهزة التي باتت مقيّدة في الرواية، كأنّها تبحث عن لغز تسعى إلى حلّ شيفراته مع القرّاء الذين لا تبقيهم متلقّين فقط، بل تُشركهم في عمليّة البحث عن الدلالات والأبعاد المتضمّنة، لا ترتكن إلى تلك الطرق التي تُكتَب بها الروايات عادة، سواء من ناحية تقسيمها على فصول متسلسلة، أو سردها على لسان رواة بعينهم، أو من ناحية الالتزام بالعناصر المتعارَف عليها في كتابة الرواية، إذ تخرج عن ذاك التسلسل المختصَر في: المقدَّمة، الحبكة، الحلّ.

هيثم حسين