«فردوس مختزلة على الأرض».. هكذا وصف الكاتب الفرنسي الكسندر دوما بيته «مونت كريستو» الذي شيده. ولكن الكاتب الشهير لم يعش في هذا البيت سوى خمسة أعوام من 1844 حتى 1849 بعد أن أعلن إفلاسه وبيع في المزاد العلني.
وبعد ذلك تحول البيت إلى هيئة قصر متروك. وفي عام 1960 استولى على الثلاثة هكتارات الملحقة بالبيت من قبل مستثمري السكن. ولذلك قام المؤرخ الشهير الن ديكو بتأسيس «جمعية أصدقاء الكاتب الكسندر دوما «الذي ساهم في تغيير الرأي العام وطالب من السلطات الرسمية بضرورة إلغاء رخصة البناء حول بيت الكاتب وتحويلها إلى منطقة أثرية.بدلا من الانشغال بالكتابة انشغل الكسندر ببناء قصره. وكان المجتمع الباريسي بأكمله يتحدث عن هذا القصر ولكن لم يكن أحد يتجرأ أن يثير أي لغط على قصور الملوك الباذخة. فهذا القصر شيده الكاتب بعرق جبينه وبما حصل عليه من أموال عن حقوق نشر أعماله الأدبية.
وكان عادة ما يذهب من باريس إلى قصره بقلب مليء بالفرح والغبطة، متخذا من الكتابة إيقاعا لحياته. لكن سفراته العديدة إلى أفريقيا جعلته ينقطع عن عالم الإبداع. فقد تعهد لناشريه أن يسلمهم 14 مجلدا في 19 فبراير من عام 1847 لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك في الوقت المقرر إلا أن افتتاح مسرح سان جيرمان في اليوم التالي أنقذ الكاتب بمسرحيته «الملكة مارغو» حيث انتظر عشاق مسرحه ما يقرب من يوم كامل لمشاهدة العروض. الكتابة... تحتاج إلى الهدوء والطمأنينة قرر الكاتب في عام 1844 عندما كان في عمر الثانية والأربعين أن يغادر باريس بحثا عن الهدوء والطمأنينة التي وجدها في ضاحية سان جيرمان أون لي، القريبة من باريس وكانت عبارة عن منطقة ريفية آنذاك واستقر مع ابنه في «فيللا هنري الرابع». ولا يزال موجودا حتى الوقت الحاضر وذلك في جناح منه وهو «فيللا ميديسس».
حيث قام بتأليف روايتين فيه مرة واحدة وهما «الفرسان الثلاثة «التي ظهر مسلسلها الأول ورواية «مونت كريستو» في 14 مارس من عام 1844. ومن المعروف، في منتصف القرن التاسع عشر، راجت كتابة الروايات المتسلسلة في الصحف والجرائد مما كان يدر عليه واردات مالية لا بأس بها.
وفي أوقات الفراغ كان يغادر المنزل لكي يتجول في الغابة القريبة. وفجأة جذب اهتمامه منظر في أسفل نهر السين، الضوء والطبيعة والماء منظر يجعله يحلم. وهناك عثر على منزل صغير وبدأ يسال عن مالكه، وبعد أن وجده سأله:
كم يكلف ثمن بناء مثل هذا البيت؟
ألف وثمانمئة أو ألفين فرنك.
ولكنه صغير بالنسبة لي ولأولادي ولكن إذا وضعت خمسة آلاف فرنك إضافية يمكن لي أن أكون في طمأنينة أكثر. وبدأت فكرة البيت تداعب خياله.
وعلى الفور ذهب إلى سان جيرمان أون لي من أجل العثور على مهندس معماري، يدعى بارتلماي بلانتي الذي أكد له أن إضافة خمسة آلاف فرنك سيكون كافيا. فاشترى الكاتب الأرض وبدأ بتشييد منزل يتخذ فيما بعد شكل قصر صغير ولكنه يقرر تغيير المهندس المعماري وإعطاء العمل إلى السيد دوران، قائلا له:
ـ هنا... أريد أن تخطط لي حديقة على النمط الإنجليزي، وفي وسطه أريد أن تشيد لي قصرا يمثل معماره عصر النهضة. وفي مقابله فيلا تمثل العصر الغوطي، محاطا بالماء. وبما أن الماء متوفر يمكنك أن تصنع لي الشلالات.
قالت دليلتنا مدام فلوران، ذات الجسد الضئيل، والعينين البارقتين «لو لم يتدخل المؤرخ المعروف، ألن ديكو، لما كنتم هنا في زيارة قصر مونت كريستو».
نظرنا إليها بدهشة ثم أضافت قائلة «ولأن القصر القديم يطل على نهر السين، فأرادوا أن يحولوه إلى مجمع سكني هائل.. ألن ديكو جمع آلاف الرسائل ليوقف عمليات هدم قصر الكاتب الكسندر دوما».
ثم وقفت في صالون الطعام وقالت:
ـ تصوروا أن اسكافيا كان يطالبه بالنقود. فقد جاء إلى هذا القصر ثلاثين مرة يطلب نقوده. وفي كل هذه المرات، كان الكاتب يدعوه إلى مأدبة كبيرة دون أن يدفع له 600 فرنك أي صرف عليه أضعاف ما يكلفه من نقود.
كان الكاتب يعشق الطبخ وكلما كان يذهب عند أصدقائه، يرتدي الصدرية ويساهم في الطبخ. وكان في أسفاره إلى روسيا وأفريقيا وغيرهما يدون أسماء أطباق المأكولات لغرض طبخها في منزله.
وقد تزوج امرأة روسية اسمها ناديا نارشكين وربما إعجابا بطبخها. ولا تزال صورها معلقة على جدران إحدى غرفه وذات مرة دعا أصدقاءه إلى مأدبة عشاء، فكان جهز العشاء لـ 50 شخصا. ولكثرة الحديث عن قصر مونت كريستو فوجئ بحضور 600 ضيف، وهم من عشاق الكاتب: من الشيوخ والعجائز الذين احتشدوا في الحديقة.
عشاء على العشب
في 24 يوليو 1844 دعا الكاتب مجموعة من أصدقائه لإقامة حفلة في ذات الموقع على الأعشاب. لم يكن شيد بعد قصره الشهير. وبدأ الكاتب يشرح لأصدقائه مشروع قصره المتخيل وكأنه يراه أمام عينيه. واقترح عليه أحد أصدقائه الممثلين، ويدعى ميرلانغ، أن يطلق على قصره اسم «مونت كريستو «في العام ذاته.
فوافق الكاتب على الفكرة وطلب من أصدقائه العودة إلى هذا المكان بعد مرور ثلاثة أعوام. فالتزم الكاتب بوعده. وقد حضر في 25 يوليو من عام 1847 أقام لضيوفه حفلة كبرى ومأدبة طعام وشراب ظلت تتردد على ألسنتهم سنوات طويلة. وكان آنذاك صدر الكسندر دوما مليئا بالنياشين والأوسمة الزخارف. فقد حضر أعيان المجتمع الباريسي إلى هذا الحفل ومن ضمنهم الروائي بلزاك.
قصر الكاتب مستوحى من جنون لويس الخامس عشر، ومشيد على أسلوب لويس الثالث عشر، مزخرف على طريقة عصر النهضة. في طفولته كان الكاتب معجباً بقصر فرانسوا الأول في فيليير كوتوريت لذا وضع تماثيل جان كوجون وجيرمان بيلون على واجهة قصره.
كما وضع على جدرانه رسومات النحاتين البارزين والشخصيات الأدبية والفلسفية التي أحبها وأعجب بها أمثال هوميروس وسوفكليس وفيرجيل وتيرانس ودانتي وشكسبير وشيللر ووالتر سكوت وبايرون وآخرين.
لم يكن يكتب في المبنى الرئيسي للقصر لذا شيد على تلة مرتفعة في حديقته المترامية الأطراف ما يمكن أن نطلق عليه «قلعة غوطية» مصغرة، يعود أسلوب بنائها إلى عصر النهضة أيضا.وهي تشرف على نهر السين. كان الكاتب يلجأ إليها، ويعتصم بها للكتابة، هربا من زوجته وأطفاله المتكاثرين. أنه نوع من قصر مخصص لكتابة الرواية. أو مرفا للإبداع. وعبر بناء قصر مونت كريستو، حقق الكاتب أعظم أحلامه.
مونت كريستو يعكس وحدة الأسلوب ومعظم ديكوراته مستوحى من مخيلة الكاتب نفسه إضافة إلى كتب الزخرفة. ويعود الفضل في صنع الزخارف والنقوش إلى «سيشان» و«ديتيرل» اللذين عملا في تنفيذ ديكورات مسرحياته على خشبة المسرح التاريخي. ولمسات الكاتب في ديكورات القصر واضحة المعالم كما واضحة آثار كل من لامارتين في منطقة سان بوان وفيكتور هيغو في منطقة جورنسي.
كان يريد أن يحتفل بالأسلاف العظام وأن يؤسس لنفسه نوعا من «البانتيون» الشخصي ـ مدفن عظماء الأمة الفرنسية ـ. وقد وضع منحوتات تمثل عددا كبيرا من الكتاب الكبار بينما لاحظنا غياب تمثال فكتور هيغو. ويعلل المؤرخون سبب ذلك غيرة الكاتب من هيغو. كما أن «مدفنه «يخلو من الأحياء.
وحين سأله صديقه ليون كوزلان «وأنت يا صديقي لا أرى لك منحوتا في هذا المدفن»؟ فأجابه «سأكون بينهم عما قريب» ومنذ تلك اللحظة، تخلى الكاتب عن وضع تماثيل الكتاب في قصره واضعا تمثاله في مكان الشرف الذي سبق وأن وضع فيه تمثال هوميروس. كان القصر مكتظا بالدواليب والتماثيل واللوحات المبعثرة هنا وهناك بل وكان هذا القصر يعبق برائحة بوهيمية.
والحقيقة أن الكاتب كان يستقبل أصدقاءه من الكتَاب والرسامين والممثلين والعاطلين عن العمل، يأتون إلى قصره، يقيمون أياما وليال أسابيع وأشهر ثم يغادرون.
أما النساء فكن يترددن عليه باستمرار تجتذبهن الغرفة العربية، بلياليها الشرقية وزخارفها الغريبة، نذكر منهن الممثلة الألمانية سيسليت سكريفانيك والممثلة بياتريس بيرسون وفنانات مبتدئات أخريات وغيرهن مما اضطر الكسندر الابن أن يكتب رسالة مطولة على زوجة أبيه «ايدا فيريير»، يتذمر فيها من تصرفات أبيه مع النساء.
ويذكر الابن بأن الفلاحين عندما كانوا يمرون بعرباتهم وحميرهم أمام قصره كانوا ينظرون على «عصابة القراصنة» نظرات ملؤها الدهشة والاشمئزاز بينما كان أصدقاء الكاتب يأكلون ويشربون ويعبثون وكان الكاتب يهرب منهم إلى الملحق المجاور الذي شيده الكاتب ليكتب ويبدع كأنه في دير للرهبان.
ومن نوافذ تلك القلعة، كانت قهقهات الكاتب تتناهى على أسماع ضيوفه لأن الكسندر دوما كان يعيش مغامرات شخصياته. اكتشف ابنه ذات يوم بأن أباه كان يجهش بالبكاء. وعندما سأله عن سبب بكائ. قال له «مات بورتوس.. لقد قتله قبل قليل» وهو أحد أشهر شخصياته الروائية.
القصر المهجور
وذات ليلة انهار حلم الكاتب. دائنو الكسندر دوما انتقموا منه وحجزوا قصره، حلمه، فاشتراه رجل يدعى جاك انطوان دويون آنذاك بمبلغ بخس قدره 30 ألف فرنك بعد أن كان قد كلف الكاتب نحو 400 ألف فرنك.
وفي عام 1849، ذهب مع القصر كلابه الخمسة وقطته وقروده الثلاثة وديكه وحيواناته التي جلبها من أفريقيا كما فقد ضيوفه المائتين الذين كانوا يأتون لتناول العشاء باستمرار. وبعد أن عرف هذا القصر كل هذا الازدهار، رقد في سبات عميق دام مائة عام.
ولم تطأ أقدام عشاق الكاتب هذا القصر غلا في منتصف عام 1970 عندما احتفلت فرنسا بذكراه المؤوية. كان القصر ما يزال قائما ولكنه بدا يتهدم إلى أن تم إنقاذه وترميه. وعندما فكر البعض بهدم هذا القصر.
انتفضت بلدان عديدة مثل ألمانيا وإنكلترا وأسبانيا ولأميركا واليابان وتشيكوسلوفاكيا آنذاك وتركيا لتعبر عن دهشتها لهذا القرار وعبرت عن رغبتها في إنقاذ «جنون» الكاتب.
وفي غضون الخمسة عشر عاما المنصرمة، جرت العادة أن يجتمع في مطلع شهر يونيو الكتَاب الفرنسيون في هذا القصر لإهداء أعمالهم وجمع ريعها لترميم القصر. كان الكسندر دوما يكره الجانب القانوني. فقد رفع دائنوه قضية قانونية، ولقاء احتفاظه بالقصر كما يذكر ابنه. كان عليه أن يدفع مبلغا قدره من 25 إلى 30 ألف فرنك سنويا.
لكن الكاتب كان ضليعا باللعب القانونية والمضاربات المالية. فعندما شعر بأنه سيخسر القضية أمام المحكمة. قام بنقل جميع محتويات القصور من الكنوز والتماثيل والأثاث واللوحات الفنية ليلا. ومما زاد في تدهور أوضاع الكاتب، الشكاوى التي رفعتها زوجاته الثلاث.
وقد أدانت المحكمة الكاتب بدفع مهر زوجته ـ ايدا فيريير ـ البالغ 120 ألف فرنك إضافة على مصاريف القصر إلا أن هذا المبلغ تضاعف بسبب عجزه عن الدفع. وقد استدعيت إحدى زوجاته من ايطاليا لكنها لم تستلم أية نقود تذكر مما اضطر الكاتب إلى بيع أثاث بيته.
مونت كريستو دراما وقعت فصولها في ليلتين. وتم تمثيلها على خشبة المسرح التاريخي في 2 و3 من فبراير من عام 1848. وفي 24 انفجرت الثورة الفرنسية. وبما أن الكاتب كان يتمتع برتبة عسكرية، فقد قام بإذاعة خبر الثورة من ضاحية سان جيرمان أون لي على السكان.
وقام الأهالي بالتوافد على قصر الكاتب من أجل أن يقتلعوا شجرة ويزرعوا مكانها شجرة الثورة. وخطب الكاتب في الجمهور قائلا «هذه هي المرة الثالثة التي نزرع فيها شجرة الأولى في عام 1789 وتمثل شجرة الحرية والثانية في عام 1830 وتمثل شجرة المساواة والثالثة في عام 1848 وتمثل شجرة الحرية والأخوة والمساواة في آن واحد».
فقد تألم طوال حياته لفقدانه هذا القصر. وكتب إلى إحدى صديقاته قائلا «آوه.. مونت كريستو، أحد ألذ أعمال الجنون التي قمنا به وأفخم سعادة موجودة على الأرض».
ويذكر أن أحد الأصدقاء كان قد زاره في مكان لجأ إليه الكاتب، حيث طلب منه أن يتناول الطعام معه، فأجبه بأنه قد تناول الطعام، فقدم له الكسندر دوما صحنا فيه خوختان فقط وطلب منه أن يتذوق واحدة منها، فتناول صديقه خوخة واحدة، فقال له هل تعرف بأن هذه الخوخة كلفتني 15 ألف فرنك لأن هذا كل ما تبقى لي من مونت كريستو».
شيد غرفة ذات طراز عربي
فهو كاتب كثير الأسفار. قام برحلات إلى كل من أسبانيا وطنجة وتطوان ومليله ووهران والجزائر والقسطنطينة وتونس. وفي كل زيارة، كان يشتري الأثاث والدواليب واللوحات والزخارف لقصره. في قرطبة انهش لرؤية موزاييك الجوامع وأراد أن يحصل على مثلها وفي الجزائر اشترى الأسلحة والسجاد حاملا إياها على ضفاف السين.
وفي 4 ديسمبر من عام 1846، حط الكاتب في تونس، فتوقف أمام حانوت حلاق، وهو منشغل بفتح باب حانوته، فأعجب الكاتب بالباب المزخرف، فطلب من الحلاق شراء هذا الباب بأي ثمن لكن الحلاق التونسي راح يشرح له حاجته بالباب. وقد وصل إلحاح الكاتب في طلبه هذا أنه ذهب على القنصل الفرنسي في تونس طالبا منه أن يتدخل عند الحلاق ولكن الأخير رفض.
وفي نهاية الأمر، اشترى باب دكان الحلاق. وفي تلك الأثناء، كان «باي» تونس في زيارة رسمية إلى فرنسا، لذا استقبله ولي العهد، دعاه إلى زيارة حدائق قصره. وفي أثناء تجواله، التقى بنحاتين عربيين، الحاج يونس وابنه، يشتغلان في زخرفة «أفريز» قبر الباي.
وفجأة طرأت له فكرة دعوتهما إلى فرنسا لغرض تشييد غرفة عربية في قصره. فذهب إلى القنصل الفرنسي بصحبة ابن النحات البالغ من العمر أثنى عشر عاما.
ويذكر الكاتب عنه «بأن الصبي كان يتمتع بجمال عجيب. عندما جاء مع أبيه للعمل في زخرفة الغرفة. كان سكان المنطقة يأتون لرؤيته طوال العام الذي مكث فيه للعمل. كان يدعى محمد،ووالده يبلغ أربعين أو أربعة وأربعين عاما، ويتمتع بملامح دقيقة، وعينين سوداوين، وأنف مستقيم، ولحية بيضاء».
ويضيف الكاتب:سألته: هل لديه مانع من السفر على فرنسا ؟ فأجابه بأنه معتاد على الأسفار. وكان قد زار مكة لتوه. وطلبت منه أن يصطحبني على فرنسا،فأشر بأصبعه إلى ابنه، فهززت رأسي موافقا».
كان ذلك أصعب ما في الأمر لأن الباي لم يكن يرغب بأن يسافر مواطنوه على الخارج خوفا من تعلقهم بفكرة الهجرة. إضافة إلى ذلك فأن الحاج يونس كان منشغلا آنذاك بنحت وزخرفة قبر الباي. ولتنفيذ رغبة الكسندر دوما كان لا بد من الحصول على موافقة الباي. ويضيف الكاتب «استقبلنا الباي استقبالا حارا..
فقلت له بأن لدي أخبار جيدة بينما قاطعني القنصل لابورت قائلا بل لدي التماس أطلبه». وبدا القنصل يشرح للباي رغبتي. فأجاب الباي «لكن صديقك يعرف أن الحاج يونس يعمل لي الآن» ثم أجابه «يا صاحب الجلالة. إنه الآن يزخرف ضريحك، وأنا أريد أن يشيد لي غرفة لكي أعيش فيها كحي بينما الضريح ستسكنه بعد موتك. ومن المؤكد أنك لست متعجلا في هذا الأمر..
لذا أرجو منك أن تتخلى عن الحاج يونس لي»، يبدو أن الإجابة راقت للباي، فضحك وقال «أعطيك الحاج يونس لكني أطلب منك الاعتناء به وإرساله في أسرع وقت ممكن».شكرت الباي على تنفيذه لرغبتي. وفرح الحاج يونس عندما رأى جواز سفره وهو يحقق رغبته في زيارة فرنسا.
وفي اليوم التالي، بدأنا السفر وأعطيت زوجته 400 قرشا. وبعد أن أمضى أربعة أشهر في فرنسا، كتب لزوجته عن ارتياحه في عيشه وعمله. وكانت العبارة التي يكررها على مسامعي «أنا سعيد جدا».
عمل الحاج يونس وابنه محمد عاما كاملا في نقش وزخرفة جدران الغرفة العربية في مونت كريستو، المكسوة بالجبس الأبيض. فالديكور تجريدي، لا يحتوي على عنصر طبيعي أو مقروء.
فقد وضع الكاتب دواليبه الخشبية وطاولته وقد أحب الكسندر دوما الأمثال العربية لما تحتويه من حكمة لذا طلب من الحاج يونس أن ينحت له بالغربية والفرنسية هذين المثلين العربيين الشهيرين إذا كان الكلام من فضة فأن السكوت من ذهب» و«اللي يضرب الكلب مثل الذي يضرب مولاه». كما طلب من الحاج يونس وابنه أن يضعا توقيعهما واسميهما الكاملين على جدران الغرفة.
وهذه الغرفة تفضي إلى غرفة أخرى من خلال قوس منقوش، منتصب على أعمدة من الرخام. وفي الحقيقة، إن الغرفة العربية ظلت مثار الإعجاب.
وهي كما ينبغي ألا ننسى تعتبر من أوائل منجزات الفن الإسلامي في فرنسا. قال له صديقه كوزلان بهذا الصدد «ألا ترى بأن نبيلك، بكل ما يملك من ذهب لم يستطع بناء مثل هذه الغرفة» أجابه الكسندر دوما بكل هدوء «لكن بإمكانه أن يشتري القصر بأكلمه».
وقد آثار تشييد هذا القصر ضجة في الأوساط الرسمية إذ استدعى وزير البحرية آنذاك لمحاسبته بسبب وضع وحدة حربية من الزوارق في خدمة رغبات وأهواء كاتب لم يكن يعرف بجديته.
شاكر نوري


