لم يترك الإيطاليون منذ العهد الروماني مرورا بعصر النهضة وحتى يومنا الحاضر صفة في الجمال إلا وتابعوها ونقبوا ونبشوا عنها أو رسموها على شكل لوحة أو مقولة أو قصيدة شعرية،فالجميع من النساء والرجال، كباراً وصغاراً، يهرولون نحو الجمال والتجميل الذي لا تنتهي أشكاله وفصوله وأيامه.
انتشرت خلال السنوات الأخيرة في معظم المدن الايطالية الكبيرة مراكز رياضية تهتم بجماليات الأجساد الايطالية للذكور والإناث على السواء، وأصبح الاهتمام بصحة الجسد وأناقته ظاهرة حياتية يومية تستقطب ملايين الناس من مختلف الأعمار وترتبط مباشرة بسوق الربح السخية التي تشرف عليها مؤسسات وشركات عالمية كثيرة.
ومع إن الناس في هذا البلد الذي يطلق عليه معظم الأوروبيين بـ (البلد الجميل) يقاس الجمال وقيمه ومعاييره بنفس المقاييس التي تسكن ذاكرتهم الحافلة بالكثير من القيم التي تتعلق بالجمال، إلا أن قيم الجمال هذه هي الأخرى تتغير يوما بعد آخر، وأصبحت لها لغة ومعاني غير الذي دونته وحفظته كتبهم التراثية والتاريخية القديمة ولوحاتهم الفنية التي تملأ البيوت وآلاف المتاحف الخاصة والعامة التي تنتشر داخل البلاد وفي جميع أنحاء العالم..
يقول الإيطاليون بأنهم أصبحوا شعباً إندونيسياً، إذ أن أكثر من 28 مليونا منهم ما بين عمر 18 إلى 75 سنة من مجموع السكان البالغ 57 مليون نسمة يمارسون تمارين رياضية إما بشكل شخصي داخل البيوت أو الحدائق العامة، أو في النوادي الرياضية التي تنتشر مثل حبات الكمأ، و66، 2 في المئة يتناولون أطعمة صحية محسنة (بيولوجية).
و51 في المئة يتمتعون بعطلات سياحية قصيرة صيفا وشتاء، و52،5 في المئة يقتنون مواد تجميلية، و51 يتعاطون علاجات تجميلية في أكثر من 11 ألف مؤسسة ومصح علاجي متخصص للتجميل تنتشر في طول البلاد وعرضها، يستهلكون أكثر من 24 في المئة من مواردهم ورواتبهم الشهرية لتجميل أجسامهم ووجوههم.
وصفة ايطالية
الرجل الإيطالي حسب إحصائيات مركز الإحصاء القومي من أكثر ذكور بلدان أوربا الغربية اهتماما بجماله وأناقته، ففي إيطاليا وخلال السنتين الماضيتين شهد سوق الكتب والمجلات عاصفة من المجلات الأسبوعية والفصلية المتخصصة بجمال وقيافة الرجل لتنافس عشرات المجلات الأسبوعية والفصلية المتخصصة بجمال وأناقة المرأة،.
وبعض من هذه المجلات الذكورية اخذ طريقه في الآونة الأخيرة ليطبع في كل من اسبانيا وفرنسا والبرتغال واليونان تحت الوصفة الإيطالية التي أصبحت مطلوبة ومرغوبة من الجميع، بل إنها تقف في المقدمة الأوربية.
التدليك بالطين
يتقدم العديد من الإيطاليين حاليا بتكثيف طلب التمتع بالإجازات الموسمية من العمل بهدف التمتع بالعطل المتقطعة التي بدأ الأطباء ينصحون بها زبائنهم بالتوجه نحو مواقع الحمامات المعدنية الطبيعية المنتشرة في طول البلاد وعرضها ويبلغ عددها 340 لغرض وضع الطين المعدني الطبيعي والعديد من المراهم والمستحضرات الدهنية على الأجساد والاستحمام بالمياه المعدنية وممارسة عمليات التدليك بهدف رشاقة الجسد، تصليب عضلات الوجه والجسد والاستشفاء من بعض الأمراض الجلدية.
إلى جانب هذه الظاهرة بدأت في الانتشار ظاهرة أخرى بتحول اغلب أماكن الحلاقة الرجالية إلى صالونات تزدحم بها كل أنواع المعدات الإشعاعية التكنولوجية الحديثة لتغير لون البشرة والجسد من البياض نحو اللون الأسمر البرونزي الشائع.
وبدأت بالانتشار ظاهرة بناء ما يطلق عليه هنا بالحمام التركي البخاري الذي يلحق غالبا بالنوادي الرياضية والمسابح العامة في عدد غير قليل بالمدن الكبرى مثل روما وميلانو وتورينو وفلورنسا وبسكارا وغيرها، كما تنتشر في البلاد 340 مركز لممارسة عمليات التدليك بواسطة الطين المعدني.
الرجل مخلوق غير شعري
الرجال هنا يحاولون الحفاظ وبأي ثمن على تناسق أجسادهم وإبراز محاسنها بصور وأساليب مختلفة ومتنوعة، يحاولون تجنب العيوب البدنية القديمة التي كانت شائعة قبل عقود قليلة مضت، فقد أصبح الرجل أقوى وأطول وأكثر انسجاما بتركيبته العضلية وتناسب الأطراف مع طول الجسد.
واعتدال القامة وتناسبها مع حجم الرأس، فالجسم الذكوري حاليا أكثر مرونة ومقاومة، سهل الشحن ويمتلك طاقة أكبر، فخلال قرن كامل استطاع الجسم البشري تحطيم كل الحدود التي كانت تحد قدراته، فوصل إلى تحطيم كل الأرقام القياسية في جميع المنافسات والاختصاصات الرياضية، فالرجل الذي كان يصفه شاعرنا الراحل نزار قباني بأنه مخلوق غير شعري، يابس ومالح وغليظ، فقد أصبح في زماننا الحالي أسطورة تتخيلها المرأة بعد أن كانت هي الأسطورة في عيون كل الرجال.
حلم مايكل أنجلو
إن دلائل التغيير في نمو الجسم الذكوري يمكن ملاحظتها بكل سهولة من خلال المقارنة بمشاهد وصور للناس في بدايات القرن الماضي، حيث تبدو تلك الأجساد قصيرة القامة أكثر تحفظا إزاء النضج الذي يحمله الجسم الجديد،.
والذي يبدو وكأنه واحد من شخصيات الفنان الإيطالي مايكل انجلو الذي كان يحلم بوجود إنسان يحمل سلسلة من القياسات المتناسقة في الجسد، فنحت تمثال داوود كرمز متكامل للجسد الذكوري، الا اننا اليوم نرى مثل هذا(الداوود) الذي كان يحلم به إنسانيو عصر النهضة الذين صبوا كل جهدهم لفهم ومعرفة الجسد البشري، في كل مكان على أرصفة الشوارع وسواحل البحر وأماكن العمل والمقاهي.
موسى الخميسي
