يتميزون برهافة الحس ورومانسيه الطبع والمزاج، يحملون همومهم وهموم أوطانهم ويسيرون بها رحلة عمر مضنية، هؤلاء هم من يعرفون الشجن، حضر بداخلهم، في النفس والوجدان والقلب والدماغ منطقة رمادية، معها وبها كانوا من المبدعين في كل المجالات، في الفنون بكل أنواعها والأدب والحب والجمال.
يتميزون بأنهم يحتفظون لنفسهم بتلك المنطقة الرمادية في القلب، لا يكشفونها لأحد، فالشجن دائماً حالة من الشموخ والترفع عن البوح ومكنونات الأسرار!«عم صلاح جاهين»، رمز من رموز العبقرية والشجن معاً، قلعة إبداع وصمت وتدفق في آن واحد، صندوق أسرار يتدفق حباً وعطاء وعبقرية وجنوناً.. «حبيت.. لكن حب من غير حنان» «وصاحبت.. لكن صحبة ما لها من أمان» «رحت لحكيم.. وأكثر، لقيت بلوتي» «إن اللي جوه.. القلب مش ع اللسان» عجبي! نعم، فالصمت والشجن وجهان لعملة واحدة، لكنها نادرة، ندرة الزمان الجميل، وأيام رحلت في صمت العظماء.. زمان خلي من الضوضاء والضجيج ودوائر الضوء التي تصبغ الإنسان بالكبر والخيلاء، فانسحب الإبداع في وقار.. وترك الساحة لكل من سولت له نفسه أنه إنسان.
ظاهرة الشجن، فسرها العلماء وكبار الأطباء وعلماء النفس على امتداد العالم، بأنها ظاهرة لابد وان تنفجر معها ينابيع العبقرية والإبداع، فهما صفتان تتفجران وسط الزحام ومع نفس خفيفة المزاج، قليلة الإبداع، ويقول الدكتور النمساوي «روبير فورست»، بأن ظاهرة الشجن هي الحلقة الوسطى المتزنة فيما بين الحزن والفرح، فمع الحزن يصعب الإبداع والاتزان، ومع الفرح يخف الإنسان وكأنه فقد نصف وزنه، وبالتالي يصعب عليه الابتكار.وإذا شبّ الإنسان على شيء.. شاب عليه، فكلما امتد العمر وطالت سنوات الإنسان ترسخ المزيد من الشجن بداخله، ولكن هنا ضوء أحمر يلوح من بعيد ويحذر الإنسان من الوقوع في براثن الاكتئاب والاغتراب، حتى لا يتحول عبئاً على ذاته وربما على الآخرين..
والشجن تزيد نسبته لدى النساء عن الرجال بأكثر من 40% هكذا يؤكد الدكتور عادل صادق في واحدة من دراساته حول الشجن وأثره على الإنسان المعاصر أوضح فيها كذلك ان هناك خيطاً بلاتينياً رفيعاً بين الحزن الشديد الذي يعزل الإنسان عن ذاته وعن الناس، وبين الشجن المبدع والذي يزيد لدى النساء لأسباب غاية في التعقيد في الدماغ.ولكن كيف نحتفظ بنسبة التوازن فيما بين الشجن والحزن. في الدماغ التي تعتبر معجزة من معجزات الخلق، ـ فيها ـ تفرز هرمونات تسيطر على مزاجيات الإنسان، فإذا زادت عن حدها الطبيعي خرج الإنسان من دائرة الفرح ودخل في دائرة الشجن، ثم إلى تلافيف الحزن التي تنتهي به إلى الاكتئاب، وكل ذلك يمكن السيطرة عليه بالعلاجات المختلفة ومنها العلاج بالعقاقير، والجلسات النفسية في المصحات الكبرى في العالم.
وغالباً ما تزيد نسبة الاقتراب من الاكتئاب لدى المسنين ليس فقط لقلة إفراز الهرمونات وإنما هناك حالات تغيب فيها هذه الهرمونات حتى تصل لأدنى مستوى لها والأطباء، في هذه الحالات مع التقدم في السن ـ لا يفضلون العقاقير، بل يفضلون جلسات العلاج، وتوظيف الطعام.
وقد اثبتت الدراسات في مجال علم التغذية بأن الأطعمة السكرية، تعمل على تصعيد الهرمونات، وخاصة تناولها في شكل حلويات مركبة كالجاتوه والكيك، وتعتبر الألبان والشوكولاته من أفضل أنواع الأغذية للتوازن الدماغي. ارتباط وثيق وعبقري فيما بين ظاهرة الشجن لدى بعض الناس والإبداع، فمعظم المبدعين على اختلاف أزمانهم ومكانهم، كانوا يتحلون بلمسة شجن، وكأنها طاقة وقوة دافعة لكل التراث الفني المبدع في كل المجالات.
ففي الشعر، نجد الشعراء من العباقرة قديماً وحديثاً جسموا الصراخ في الصمت، والحياة في الموت، وقد عبر العبقري الشاعر جبران خليل جبران عن بعض الغموض الذي يعيش فيه الشعراء بقوله:
«سكوتي إنشاد وجوعي تخمة»
«وفي عطشي ماء وفي صحوت سكر»
«وفي لوعتي عرس وفي غربتي نقاء»
ولدى الشعراء على امتداد العصور واختلاف الأجناس نظرة خاصة جداً للأشياء من حولهم والمتعارف عليها لدى عامة الناس، فالأرقام مثلاً تختلف دلالتها لديهم فرقم «واحد» يمثل الوحدة والفراق، و«الاثنان» رقم يعكس الالتقاء، وهكذا تختلف الصور والإيحاءات لديهم.
ويعتبر المبدع بهاء طاهر من سكان الكرنك بجنوب مصر، خير دليل على ان الشجن الذي وصفه به كل المحيطين به من عباقرة ومبدعين، هو شرارة الانطلاق نحو الإبداع المتفرد، فالمكان الذي خرج منه بهاء طاهر في جنوب مصر كأنه قد صقله، فهو الفتى الأسمر في لون طمي الأرض الخصيب مصدر العطاء، وجهه مصري صميم، شرب من ماء النيل انعكس ذلك على ملامح فكره وعمق إبداع، ومن يراه فكأنه في حضرة حكيم أو متصوف، فكان كثير التأمل، قليل الكلام شديد الوقار قوي الملاحظة غزير الإبداع، فالشجن كان قوته الدافعة نحو العبقرية..
فكان يفضل السكون والإنجاز على دوائر الضوء والضوضاء، وهو يؤمن برسالة الأدب، ومن هنا نراه قد تمرد على رغبة الفنان بداخله في اللهفة على الإبداع ـ أي إبداع ـ مفضلاً الآناة حتى تكتمل التجربة، وتتسع الرؤية، ويبوح له العمل بسره.
وكان لتجربته في العمل بجنيف الأثر الكبير والعظيم في زيادة معرفته بالآخر الغربي، ومن زيادة في إرهاف وعيه الإنساني، ومن هنا برزت الفكرة الواردة في العديد من أعماله.
وهي علاقة الشرق بالغرب، وما بينهما من توافق وصراع معاً، وهذا الملمح واضح في روايته «واحة الغروب»، عالجه بذكاء المبدع من خلال العلاقة بين الضابط المصري «محمود عبدالظاهر» وزوجته الايرلندية «كاثرين»، كما تعرض لهذا البعد من الصراع والتوافق في قصة «حلمت بك» من خلال شخصيته الراوي في القصة وشخصية الفتاة الأوروبية الشقراء الملامح «آن ماري».
وإذا كان الشجن أو الحزن الإنساني ظاهرة ايجابية، فلابد لكل إنسان ان تفيض نفسه يوماً حزناً أو شجناً، لأنه جزء من التكوين العاطفي للإنسان كالفرح والضحك والصراخ والهمس والبكاء.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على الإنسان البالغ الناضج، فالشجن وإن اختلف معناه ودرجته موجود بالفطرة داخل الأطفال، يفجره لحظات الابتعاد عن الأهل، أو الخوف وعدم الاطمئنان، أو الحروب التي يتعرض لها الصغار، والشعور بعدم الاستقرار في الأسرة، وهو ما يعرفه الطب النفسي الخاص بالأطفال ب«الضياع»، بأن لا يجد الطفل نفسه في حالة الترحال وعدم الاستقرار في أسرته والبعد عن الأصدقاء والجيران.
وقد جسد الفنان التشكيلي الإيطالي «جوفاني براجولين» بكاء الأطفال وحزنهم، في رائعته «الطفل الباكي» وهي لوحة مألوفة للكثيرين، وهي واحدة من مجموعة لوحات الفنان ذاته رسمها لأطفال تدمع عيونهم ولكن لوحة الطفل الباكي هي الأكثر شهرة على الإطلاق على امتداد العالم، فشكل البراءة والدموع لغة خاصة جداً اتسمت بها لوحة «الطفل الباكي».
وهناك قصص كثيرة نسجت حول هذه اللوحة الأشهر على الإطلاق في عالم الفن التشكيلي، ففي عقود ماضية كثرت في بريطانيا اندلاع النيران والحرائق في المباني.
وربما طبقت هذه الأحداث في ذاكرة الأطفال، فما كان من الفنان العبقري إلا تجسيد «لوحة الطفل الباكي» وهي اللوحة الأكثر مبيعاً في العالم لأنها تجسد البراءة والحزن معاً لدى الطفل، واللوحة الأصل موجودة في المتحف الإيطالي، بروما ولا تقدر بثمن حتى الآن.
ومازال الفن التشكيلي يتدفق شجناً، «رحلة الحياة» هي عنوان واحدة من أشهر لوحات الفنان الأميركي «توماس كول» التي تصف الإنسان على امتداد مسيرة حياته، وكان يتسم «توماس كول» بمسحة شجن ظهرت في لوحاته خاصة تلك التي وصف فيها رحلة الإنسان. وتوفي توماس كول في العام 1848 وهو في السابعة والأربعين من عمره، الذي زخر بأبدع اللوحات، وسار على نهجه وخطاه العديد من الفنانين من بعده.
وتعتبر لوحة «موسيقى ليلية» للفنان الانجليزي بيتر نيكسون منظومة فنية رائعة ورمانسية حالمة برغم مسحة الشجن على الشخوص في اللوحة، تعكس تناغماً شاعرياً فيما بين الرسم والموسيقى والألوان، وجميعها إيحاءات تعكسها اللوحة.
وتعتبر «فرانسواز ساجان» الروائية الفرنسية التي تنحدر من أسرة برجوازية، جسدت قمة الشجن والحزن في رائعتها الروائية «صباح الخير أيها الحزن» المعروفة بالفرنسية باسم «بون جور تريستاس». ولاقت الرواية استحساناً كبيراً من النقاد منذ صدورها وحتى الآن في عصرنا هذا، فهي مزيج من الإبداع الفني في الرواية القصيرة، مصحوب بشجن واضح ربما يعكس حياة «ساجان» نفسها، وقد نقلتها السينما العالمية في فيلم يحمل الاسم ذاته.
الشجن في السينما العربية له نصيبه أيضاً ،حيث يعتبر فيلم «السقامات» قصة نجيب محفوظ ومن بطولة الفنان عزت العلايلي وأمينة رزق وفريد شوقي، واحداً من الأفلام التي تعكس الحزن والشجن مع إطلالة أمل ينتهي بها الفيلم عندما يروي الطفل الصغير ابن عزت العلايلي في الفيلم شجرة وارفة الظلال عند قبر والدته، عاكساً هذا المشهد لفكرة خروج الأمل في أقصى لحظات الحزن والشجن، وهي فلسفة وفكر يوسف السباعي الذي يعكس نظرته وفلسفة الضباب، والأمل معاً، فهما نسيج واقعي للحياة الإنسانية.
وتعتبر الفنانة أمينة رزق التي جسدت البعد الدرامي الحزين في معظم أفلامها ومسرحياتها، واحدة من أبرع ممثلات السينما المصرية اللواتي عكسن الشكل والمضمون لفكرة الحزن والشجن، واستحقت بجدارة لقب عميدة المسرح المصري والعربي مع عميد المسرح يوسف بك وهبي.
«الحزن ما بقلهوش دلال يا جدع».. مقولة كان يرددها العبقري أحمد زكي الذي جسد العبقرية والجنون والإبداع والشجن في معظم أفلامه وعلى مسرح حياته الخاصة.
وقد جسد المصريون ومعهم العالم العربي كله جدارية حزن متحركة يوم وفاة أحمد زكي، ثمة كلمات ثلاث جاءت على ألسنتهم: «أحمد زكي.. مات». أحمد زكي الذي عرف بالشجن طوال حياته.. اتحد مع كل الشخصيات التي جسدها في السينما، فكانت العبقرية والجنون والعالمية معاً..
وأنهى حياته الفنية بفيلم لم يكتمل «حليم» فكان أسطورة جسدها أسطورة لم تمهله الأيام لإكمالها، وحين أقامت شركة الإنتاج العملاقة «جودنيوز» للفنان الأسمر الذي كسر وهم الدون جوان على الشاشة المصرية، في الاحتفال به الذي سبق وفاته بأيام قال أحمد زكي: إحنا محتاجين نحب بعض أكثر»!
ترى هل تخلى عن شجنه أم صدره للجماهير العريضة التي حزنت عليه يوم خرجت وراء نعشه بالدموع والدعوات ووارت جثمانه الثرى، تاركاً كل مودعينه في حالة «هيستريا»، وذهب ورحل مثلما يرحل «البريء» من السجن، فكان أحمد زكي شجناَ على شجن مثلما كانت السندريللا سعاد حسني وعم صلاح جاهين وحليم العندليب الذي قرأت له «قارئة الفنجان» نهايته المحتومة.. مات حزينا في عاصمة الضباب.
«ترى هل يمكن لشعب كالشعب المصري ان ينسج خيوط الشجن والفرح معاً.. انها امتداد لعبقرية أبنائه..وقد كان لنذار قباني حزن من نوع خاص، حزن يدفن في القلب وتبتسم له الشفاة في عبقرية نادرة أخرجت واحدة من روائعه الشعرية، قصيدة «أنا والحزن» والتي كان مطلعها:
أدمنت أحزاني..
فصرت أخاف أن لا أحزنا
ولقد شنقت على ..
جدار قصائدي
ووصيتي كانت
بأن لا أدفنا
ولكن، دائماً وأبداً في نهاية نفق الشجن والحزن بصيص من ضوء.. فلابد للحياة من منظومة فرح وأغنية أمل «عليّ صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة».
منى مدكور



