إذا كان اندريه لوغال الكاتب الذي قدّم سيَر حياة ثلاثة من كبار أدباء القرن الثامن عشر الفرنسيين، وهم كورنيه وراسين وباسكال، فإنه يقدّم في كتابه الجديد الصادر في مطلع هذا العام عملا عن كاتب ذي شهرة عالمية هو «أوجين أونسكو».

يتم تعريف اوجين أونسكو أنه اسم ملأت شهرته آفاق العالم، لكنه مؤلف وأديب لا تزال أعماله مجهولة إلى حد كبير. ومؤلف هذا الكتاب عن سيرة حياته يريد أن يردم هذه الهوة ويقدم أونسكو من خلال حياته ولكن أيضاً وأساسا من خلال أعماله الأدبية. ويونسكو هو مؤلف عدة أعمال مسرحية نالت شهرة عالمية وليس أقلّها «المغنية الصلعاء» التي لا يزال مسرح «هوشيت» في الحي اللاتيني بباريس يعرضها «دون انقطاع» منذ ما يزيد على خمسين سنة. ومن مسرحياته الشهيرة الأخرى «الدرس» و«الخراتيت».

وإذا كان اندريه لوغال يؤكد كما فعل أولئك الذين كتبوا قبله سيرة حياة اوجين أونسكو، أنه مسكون بالمتناقضات التي تتراوح من أقصى درجات القناعة إلى أقصى درجات الشك، فإنه، أي المؤلف، يخالف المقولة السائدة غالبا حول اوجين أونسكو بأنه أحد رموز أدب «العبث» ويؤكد أنه ليس أكثر من شاعر «متفرّد» يحاول مخالفة المألوف لكنه يولي أهمية كبيرة لما يدور حوله من أحداث بل وبما يدور في العالم،على عكس العبثيين.

في بوخارست تعلّم أونسكو الرومانية وكتب فيها أول أشعاره. ونسي تقريبا آنذاك اللغة الفرنسية ثم استعادها بعد عودته إلى فرنسا من جديد عام 1938. وينقل عنه المؤلف قوله: «هذا التعلّم، ثم النسيان ثم إعادة التعلّم من جديد، كانت تمارين في غاية الأهمية كما اعتقد».

بكل الحالات يقول أونسكو أيضاً عن فترات إقامته في رومانيا: «نعم عشت حالة التمزق هناك إذ أحسست وكأنني في منفى». بل ووصف بوخارست أنها «مدينة قبيحة». هذا رغم التأثير الواضح للهندسة المعمارية الفرنسية على أبنيتها إلى درجة أن كُثرا أطلقوا عليها لقب «باريس الصغيرة»، بصالوناتها الأدبية التي كانوا يناقشون فيها أعمال بروست وبودلير وغيرهما من كبار الأدباء الفرنسيين.

لقد «استيقظ» اوجين يونسكو على الحياة الفكرية والسياسية في رومانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت كتاباته الأولى في «المجلة الداخلية» للثانوية التي كان يدرس فيها وتعرّف على «الشعر الحديث» عندما كان في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. كان أول من تأثر بهم الشاعر تريستان تزارا، الذي يصفه أنه أحد أساتذته، وكذلك على الشعراء السرياليين، لكنه «حافظ على مسافة نقدية بالعلاقة مع السريالية»، كما نقرأ.

نشر أوجين أونسكو منذ نهاية سنوات العشرينات وطيلة سنوات الثلاثينات من القرن الماضي في العديد من الصحف والدوريات. وينقل عنه المؤلف قوله: «لم أعرف طيلة حياتي أن أفعل سوى شيئا واحدا هو الكتابة». وكان لاذعا منذ كتاباته الأولى في النقد حيال مواطنيه الرومانيين إذ لم يتردد في وصف الروماني أنه «كسول في الحياة اليومية ومناور في السياسة وانطباعي في النقد الفني».

وفي باريس بدأت شهرة أونسكو مع مسرحية «المغنية الصلعاء» التي بدأ مسرح «هوشيت» بعرضها منذ عام 1952. أما شهرته على الصعيد العالمي فقد كانت خلال عقدي الستينات والسبعينات حيث كانت أعماله المسرحية تعرف طريقها إلى مختلف خشبات المسرح في جميع البلدان. وفي تلك الفترة كتب أيضاً روايته الوحيدة التي تحمل عنوان «الموجيد»، والتي يبدأها بجملة: «عند بلوغ الخامسة والثلاثين من العمر يكون قد حان وقت الانسحاب من السباق».

وبتاريخ 28 مارس ـ آذار 1994 توقف فجأة قلب اوجين أونسكو في منزله الباريسي بشارع المونبارناس. لقد ذهب الرجل وبقيت أعماله... وأسطورته.

الكتاب: أونسكو

تأليف: اندريه لوغال

الناشر: فلاماريون باريس 2009

الصفحات: 618 صفحة

القطع : المتوسط