انشغل المثقفون في العالم العربي بخبر ترجمة أعمال للكاتبين الإسرائيليين عاموس عوز وديفيد جروسمان، وتحولت صفحات الجرائد إلى مكان رحب لرأي من هم ضد الترجمة، وللأمانة لم أقرأ رأياً لكاتب يؤيد الترجمة سوى تلك الآراء التي تبثها بعض المواقع أو الإذاعات العالمية كإذاعة (بي بي سي) مثلا التي فتحت حواراً مطولاً مع مستمعيها واختارت عينات متنوعة للمشاركة في الرأي، ومعظم تلك العينات ضد الترجمة بالمطلق لأنه لا يمكن التغاضي عن جرائم إسرائيل فكيف نترجم أدبهم!؟
توقفت مطولاً لدى هؤلاء المنخرطين في حوار البي بي سي، حيث كانوا متخوفين من التأثر بالفكر الإسرائيلي، وبعضهم يشعر انه مهدد بأمنه الثقافي، لأن تلك الكتب قد تلعب بعقول الناشئة وتحولهم (من كره إسرائيل إلى محبتها) وقد أفزعتني فكرة أن يتأثر قارئ بكتاب أو بفكر ما عندما يقرأ كتاباً إسرائيلياً وهو ما دفعني للسؤال حول تأثيرات القراءة على المجتمع التي تصل إلى تهديد الأمن الثقافي للمجتمعات عامة.
ما أسعدني في حوارات البي بي سي عن هذه المسألة أن بعض المشاركين سخروا من فكرة التأثر بالكاتب الإسرائيلي، وسخروا بالمقابل من ذلك القارئ الذي يمكن أن يكون هشاً لدرجة أن كتاباً يغير منهجه، لقد أعجبني هؤلاء لأنهم أكثر وعياً من الذين يشعرون بالرعب ويدركون أن ثقافتهم راسخة لا يمكن لكتابين أو لعشرة كتب أن تطردها بسهولة.
لكن تساءلت عبر هذه الزاوية ذات مرة أننا نعمل سنوات وسنوات لتنشئة شبيبتنا على فكر ومنهج وثقافة لها علاقة بمجتمعنا، توافقه وتتعايش معه بسلام، ولكن يستطيع فيلم هوليودي واحد أن يخلخل تلك التنشئة، أليس هذا دليلاً على خوف مشروع من ثقافة الآخرين، فما بالنا بالثقافة الإسرائيلية.
إذا كان الخوف من ترجمة كتب إسرائيلية هو سبب قلقنا هذه الأيام، فانه خوف متأخر، لأننا لم نفحص حياتنا الثقافية بشكل جيد، ولأنها مليئة بالثقوب التي ترشح منها مياه الآخرين، ها نحن نتخاطب بالانجليزية، ولكننا لا نعرف شكسبير، ونكاد ننسى المتنبي، إذا مشكلتنا لا تكمن في عاموس عوز وديفيد غروسمان، مشكلتنا أننا لا نحمي ثقافتنا جيداً، والدليل أننا نطبع ألف نسخة من رواية عربية لكاتب جيد بينما طبعت دار الأندلس الإسرائيلية عشرين ألف نسخة باللغة العبرية من رواية «باب الشمس» للروائي إلياس خوري!
