تقدم كلوديا دال غولدن ولورنس كاتنر مؤلفتا كتاب « السباق بين التربية والتكنولوجيا» تحليلا تاريخيا للمسار التطوري المزدوج للمنظومة التعليمية والتربوية الأميركية ولآثار التكنولوجيا على الواقع الأميركي خاصة من زاوية النمو الاقتصادي وأشكال التفاوت الاجتماعي المترتبة على ذلك خلال القرن الماضي «العشرين». وتؤكد المؤلفتان أن ذلك القرن لم يكن «قرنا أميركيا» فحسب، ولكنه كان أيضاً «قرن رأس المال البشري».

وتؤكد الباحثتان أن النظام التربوي الأميركي هو الذي شكل الطاقة الأساسية التي عبأت كل الجهود جعلت من الولايات المتحدة الأمة الأكثر ثراء في العالم.

وكانت أميركا قد بدأت منذ عام 1900 عمليا بإعطاء أهمية كبيرة للتربية والتعليم وعممت التدريس «الجماهيري» على المستوى الثانوي، بعد أن كانت المدارس الابتدائية الأميركية قد حققت نجاحا كبيرا خلال القرن التاسع عشر.

وتشير المؤلفتان في معرض المقارنة بين المنظومة التربوية الأميركية والمنظومات المماثلة لها في البلدان الأوروبية المتقدمة أن المنظومة الأميركية هي «أقل نخبوية» و«أكثر شعبوية» مما هو في الأغلبية العظمى للديمقراطيات الأوروبية.

وتعيدان إلى هذا الفارق الجوهري السبب الأكبر في التقدم الكبير الذي حققته أميركا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العقود الثمانية الأولى في القرن العشرين شهدت ازديادا في عدد العاملين المؤهلين في مختلف القطاعات التكنولوجية أكبر من ازدياد الطلب عليهم. وكان لذلك أثرا إيجابيا هاما تمثّل في زيادة الدخل بالنسبة لأعداد كبيرة من الأميركيين ومما قلّص «نسبيا» واقع التباين الاجتماعي الكبير.

لكن ما تتم الإشارة إليه أيضاً هو أن ذلك التوجه الذي عرفته العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين «انعكس» عمليا منذ عام 1980 ومال نحو تعميق ذلك التباين. إن المؤلفتين تكرسان العديد من الصفحات لشرح الأسباب العميقة لذلك «التغيّر».

وذلك بالاعتماد على دراسة مختلف المعطيات والإحصائيات المتوفرة، وكذلك على ضوء التاريخ الاقتصادي الأميركي. هكذا يتم التأكيد في المحصلة أن «المنافسة» بين النظام التربوي وبين السبيل التكنولوجي هي التي كانت واقعيا وراء التبدلات التي شهدتها مستويات الدخل في الولايات المتحدة.

وتتم الإشارة هنا إلى ما تؤكد عليه البحوث والدراسات الأكاديمية من أهمية التربية والتعليم في النهوض التنموي والسير في طريق الازدهار الاقتصادي، إنما توصل إليه الأميركيون العاديون من خلال «حدسهم» العفوي الذي قد يتجاوز أحيانا آراء الأكاديميين. ويتم التأكيد هنا أن التربية، ينبغي أن تمثل أولوية لدى جميع الحكومات.

و تركز الباحثتان على فكرة الربط «العضوي» بين «المستوى التعليمي» الذي يؤمّن «رأس المال البشري» وبين «المستوى التكنولوجي» وتفاعلاته على مستوى الدخل. ذلك أن النظام التعليمي والتربوي «الفاشل» لا بد وأن تكون له آثاره على مسألة توزيع الثروة.

هذا ما تم البرهان عليه فيما يتعلق بالولايات المتحدة خلال القرن العشرين، ولكن هذا ما تؤكد المؤلفتان على أنه صحيح أيضاً بالنسبة لمختلف البلدان.

و تشير كلوديا دال غولدن ولورنس كاتنر في الختام إلى أن الولايات المتحدة استطاعت «امتصاص» أعداد كبيرة من المهاجرين «غير المؤهلين»، واستقدمت كميات لا سابق لها من البضائع والسلع مختلّفة المصادر. واستطاعت أن تزيد كثيرا من المردود الإنتاجي، لكن بقيت نقطة ضعفها الكبرى هي المستوى المتدنّي للأعمال غير المؤهّلة.

ومن الملاحظات الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفتان في النهاية هو أن هناك جمودا «مذهلا» لمستوى تعليم الشباب الأميركيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

الكتاب: السباق بين التربية والتكنولوجيا

تأليف: كلوديا دال غولدن لورنس كاتنر

الناشر: بلكناب برس نيويورك 2008

الصفحات: 495 صفحة

القطع: المتوسط

The race between education and technology

Claudia Dale Goldin، Lawrence Katz

The Belknap Press New York 2009

495P.