هناك فكرة سائدة تقول إن الولايات المتحدة الأميركية تشهد في السياق الحالي أحد أسوأ مراحل تاريخها المعاصر. بعد ثماني سنوات أمضاها الرئيس السابق جورج دبليو بوش في البيت الأبيض وعلى رأس إدارة كان للمحافظين الجدد تأثير كبير على مختلف قراراتها. وهذا ما يؤكده أيضاً المفكر والمحلل الاقتصادي «جون ر. تالبوت» في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «مكمن الألم الأميركي».
يقدم المؤلف بداية توصيفا للحالة العيانية القائمة للواقع الأميركي، ويشير إلى مجموعة من مؤشرات الضعف التي يصفها أنها «كبيرة وعميقة»، ويحدد أحد أكثرها سوءاً بـ «انهيار احترام» الولايات المتحدة الأميركية في العالم كله. السبب الرئيسي الذي يطرحه المؤلف هو ما كان قد ردده واقعيا السواد الأعظم من المحللين والكامن في المغامرة العراقية «المأساوية» بالنسبة لأميركا.
الخشية التي تنتاب المواطن الأميركي وتكبحه كي لا يعبّر عن آرائه وعن مواقفه حيال حكومته، يجدها المؤلف مسألة في غاية «الأهمية والخطورة» ذلك أنها تعني فشلا حقيقيا بالنسبة للديمقراطية الأميركية. هكذا اختار لكتابه عنوانا فرعيا يقول: «كيف يمكن إحياء المبادئ الديمقراطية».
ويشرح المؤلف أنه بالتوازي مع نقاط الضعف الظاهرة على الوضع الأميركي العام وعلى العلاقة مع العالم، تعاظمت في السنوات الأخيرة جملة من السلوكيات التي تصب كلها في باب إعطاء الأولوية لمصالح المجموعات المقرّبة من السلطة وغيرها من مجموعات الضغط والمصالح، وأيضا للمصالح الخاصة. هذا كله على حساب الديمقراطية.
وتؤكد التحليلات المقدّمة على أن انحسار الديمقراطية أصاب جميع الدوائر ابتداء من الحكومة ووصولا إلى وسائل الإعلام ومرورا بمختلف ميادين النشاط العام ذي العلاقة مع «المواطن» الأميركي.
ما يؤكده المؤلف هو أن الأمور أصبحت في غاية الوضوح والجلاء وأن «قانون الصمت» الذي ساد طيلة السنوات الأخيرة ينبغي أن ينتهي. بالتالي لم تعد «المكابرة» و«التعتيم» على مكامن الألم أمورا مقبولة. بل على العكس ينبغي أن ترتفع أصوات أولئك الذين يعتقدون أن الطبقة السياسية التقليدية الأميركية قد قادت البلاد إلى الطريق المسدود.
باختصار يرى جون ر. تالبوت أن «النخب» في مختلف الميادين، وأرباب المصالح الكبرى والمصالح الخاصة قد فشلوا كلهم ودقّت «ساعة أولئك الذين كانوا وراء رفعة أميركا وهي مدينة لهم بكل ما وصلت إليه».
ويقصد المؤلف بذلك الأميركيين العاديين البسطاء. هؤلاء عليهم أن يعيدوا للمبادئ الديمقراطية حيويتها ونشاطها، ذلك أن أميركا، كما هي عليه الآن، ورغم وصفها أنها «معقل الديمقراطية» يبدو أنها قد نسيت مبادئها وتقاليدها الديمقراطية العريقة.
ومن أهم النتائج التي يتوصل إليها مؤلف هذا الكتاب من خلال تحليلاته للأسباب الحقيقية الكامنة وراء تقلّص هامش الديمقراطية، هناك تأكيده أن «الأعراض» تحظى عمليا باتفاق الجميع عليها. لكن المشكلة ليست في التشخيص، لكن بالأحرى في الحل.
والحل الذي يطرحه، بعد عملية التشخيص الدقيق الذي قام به للحالة الأميركية، يتمثل تحديدا ب«الإصلاح الديمقراطي». ويؤكد جون تالبوت أن مثل هذا الإصلاح لن يؤدي إلى إعطاء نفحة جديدة للحياة السياسية الأميركية ولكنه سيؤدي أيضاً إلى تنشيط الاقتصاد الأميركي.
ويصل جون ر. تالبوت في الختام إلى القول إن المعركة السياسية القادمة في أميركا لن تكون بين الديمقراطيين والجمهوريين، كما جرت العادة منذ عقود طويلة، لكن بالأحرى بين النخب بمختلف مكوناتها ومشاربها وبين الأميركيين العاديين الذين يعيشون «قطيعة» حقيقية مع هذه النخب.
ويحدد المؤلف في هذا الإطار القول إن المعركة القادمة قد بدأت بالفعل، وقد لا يكون من الخطأ القول إن هذا الكتاب ينضوي في إطارها.
الكتاب: مكمن الألم الأميركي
تأليف: جون ر. تالبوت
الناشر: فايننشال تايمز برنتس هول نيويورك 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Where America went wrong
John R. Talbott
Financial Times Prentice Hall - New York 2009
352P.
