كرّست ماري بيير مجمل دراساتها لتاريخ روسيا القيصرية ثم السوفييتية وما بعد السوفييتية. وهي تخصص كتابها الجديد لسيرة حياة «الاسكندر الأول»، أحد أكبر قياصرة روسيا.

وكان نابليون بونابرت قد قال عن هذا القيصر، باعتباره أكبر المنافسين له في عصره، ما مفاده: «يمكنه أن يذهب بعيدا. وإذا وافتني المنية هنا فسوف يكون هو وريثي الحقيقي في أوروبا».

وكان نابليون قد توفي في جزيرة القديسة هيلانة عام 1821، وكان عمره آنذاك 48 سنة فقط. لقد كان موته مفاجئا وفي ظروف غامضة لم يتم تحديدها بدقة أبدا.

وما تؤكده المؤلفة هو أنه رغم «تعميد» حكم الاسكندر بالدم في بدايته إلا أن القيصر الجديد عرف كيف يحصل سريعا على محبة حاشيته وشعبه. لكن إرادته في الإصلاح لم تستطع أن تحقق الكثير من طموحاته إذ سرعان ما تحوّلت جهوده نحو مجابهة لا هوادة فيها مع نابليون. وانتهت تلك المواجهة بغزو جيوش إمبراطور فرنسا لروسيا وحرق موسكو عام 1812.

لكن القيصر الروسي الشاب عرف كيف يصبح بسرعته، وفيما هو أبعد من خشيته بالمرحلة الأولى من المواجهة مع نابليون، أحد أهم قادة القارة كلها وأحد محرّكي مختلف المناورات الدبلوماسية فيها. وفي مثل ذلك السياق دخل، منتصرا، إلى باريس في ربيع عام 1814. وهكذا أصبح يقيس نفسه بنابليون بونابرت.

لقد وصل الاسكندر الأول إلى المجد الذي سعى إليه طويلا، ولكن أصابه «السأم» بعد فترة من ذلك المجد نفسه. وتشرح المؤلفة أنه بمقدار ما تقدّم به العمر أصبح لديه توجها جديدا تمثل في محاولته التغريب بين الكنيسة الشرقية «الارثوذكسية» مع الكنيسة الغربية «الكاثوليكية».

وما تركز عليه المؤلفة هو التأكيد أن القيصر الاسكندر الأول أرسل قبل وفاته بفترة قليلة موفدا له إلى روما لمقابلة بابا الفاتيكان ومحاولة سبر إمكانية قبوله بالتقارب بين الكنيستين، الشرقية والغربية، وتبيّن المؤلفة من خلال بحثها وتنقيبها في أرشيف الفاتيكان بشكل خاص أن القيصر الروسي «الاسكندر الأول» داعب ذهنه في فترة ما التموّل إلى الكاثوليكية. وتطرح في مثل هذا السياق سؤال: هل مات ميتة طبيعية؟

وتتعرض المؤلفة لـ «ميل الاسنكدر الأول نحو الإصلاح» وللإصلاحات التي قام بها فعليا. وتشكل «الحروب النابليونية» موضوع القسم الثالث من الكتاب بينما يحمل القسم الرابع والأخير عنوان: «نحو حكم محافظ أكثر فأكثر».

وما تؤكده ماري بيير راي في مجمل تحليلاتها هو أن الاسكندر الأول شغل مكانة خاصة في تاريخ روسيا القيصرية. كما كان أحد أكثر الشخصيات السياسية في التاريخ الروسي كله إثارة لمجموعة من الآراء المتناقضة لدى معاصريه. هكذا رأت فيه الإمبراطورة اليزابيت، زوجته «ملاكا» ذا «ذهن ثاقب».

وإذا كان المقرّبون منه قد رأوا فيه «شخصا مخلصا» فقد قدّمه آخرون، كما تنقل المؤلفة عن المؤرخ السويدي لاجيريبلك، على أنه «في السياسة دقيق مثل رأس الدبوس وحاد مثل شفرة ومزيّف مثل زبد البحر».

بكل الحالات تؤكد المؤلفة أن الاسكندر الأول «لم يكن ضعيفا»، كما تخيّل كُثر، لكنه كان «يمتلك قدرة كبيرة على تحمل الآراء المزعجة وعلى إخفاء استيائه، ولكنه لم يكن يذهب أبدا أبعد من الدائرة الحديدية التي كان هو نفسه قد حددها».

وفي أجواء من الفوضى والدسائس وعدم ممارسة القيصر للحكم فعليا وقيام عدد من المجموعات السرية بأعمال تخريبية، أعلن الاسكندر الأول نيّته أكثر من مرة التخلي عن العرش بعد أن كان قد أقصى عنه أخاه قسطنطين، وبموافقة هذا الأخير، كما تقول المؤلفة.

وذات صباح باكر غادر الاسكندر الأول قصره في سان بطرسبورغ للإقامة في منزل صغير وتنقل عنه المؤلفة قوله لأحد المقربين منه: «سوف أغادر قريبا إلى كريمي حيث سأعيش كمجرد إنسان مصيره الفناء. لقد خدمت 25 سنة والجندي يستحق الاستراحة بعد مثل هذا الزمن».

وتتعدد الروايات بعد ذلك حول مصير الاسكندر حيث تؤكد إحداها أنه عاش سنوات بعد ذلك زاهدا تحت شخصية أخرى. لكن يبقى هذا اللغز قائما، والحقيقة على المؤرخين البحث عنها. وتقول إحدى الروايات أن السلطات البلشفية «نبشت» القبر الرسمي للاسكندر الأول في سنوات العشرينات من القرن الماضي للتحري عن الحقيقة فوجدته «فارغا».

الكتاب: الاسكندر الأول

تأليف: ماري بيير راي

الناشر: فلاماريون باريس 2009

الصفحات: 592 صفحة

القطع: المتوسط

Alexandre Ier

Marie Pierre Rey

Flammarion -Paris 2009

295P.