يقدم كتاب «التجربة الكبرى» لمؤلفه ستروب تالبوت دعوة صريحة نحو ضرورة التقدم في مشروع إقامة نوع من «الحكومة الشاملة، الكونية» تحت إشراف الأمم المتحدة.
بل ويرى أن ولوج مثل هذا السبيل يشكل مصيرا محتوما سيكون على البشرية السير فيه، ذلك أن الفوضى هي الأفق الذي تنبئ فيه الحالة القائمة في العالم اليوم.
ويحدد المؤلف العقبة الرئيسية في قيام نظام عالمي جديد بالولايات المتحدة الأميركية المأخوذة بمبادئ القوة وبنوع من التأكيد المفرط على مفهوم السيادة القومية الأميركية.
لكن بالمقابل رأى العديد من الرؤساء الأميركيين اعتبارا من فرانكلين روزفلت وحتى بيل كلنتون أن تطوير مفهوم مركز القرار «الحكومي» العالمي أمر طبيعي في الحقبة النووية التي يعيش العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما نظروا إلى قيام كل هذا المركز الجامع كعنصر مفيد بالنسبة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
ولا يتردد المؤلف في القول أن جورج دبليو بوش وإدارته كانوا عنصر «تمزيق» للإجماع الدولي وللسير الطبيعي المطلوب نحو هذا الإجماع عبر سعيهم لفرض قواعدهم وقوانينهم على الأمم الأخرى. وكان لمثل ذلك التوجه آثاره السلبية الكبيرة التي زاد منها ذلك السلوك المتسم بكثير من الغطرسة والغرور وبتغليف الأهداف بمسحة «تبشيرية».
ويرى ستروب تالبوت أن أحد الرهانات الأساسية المطروحة على الإنسانية اليوم هو قدرة أجزاء أكبر فأكبر من البشر على العيش في إطار مجموعات مستقرّة ولفترة أطول أكثر فأكثر. ومثل هذه المجموعات تجد تمثيلها في التاريخ منذ بداياته وحتى اليوم، وبالتحديد أكثر منذ عصر اكتشاف الإنسان للزراعة وما تطلّبه ذلك من استقرار في نفس المكان وحتى العصر الراهن.
أما تبديات ذلك فقد ظهرت بصيغة إمبراطوريات «قديمة» ومدن ـ أمم وأمم كبرى. ومن خلال دراسة المؤلف للمسار التطوري الذي عرفته المجموعات البشرية المعنية عبر التاريخ يرى أنها تسير «بالضرورة» نحو تشكيل منظمات على غرار منظمة الأمم المتحدة القائمة.
ويبدو التاريخ الإنساني، كما يقدمه المؤلف، كمسيرة طويلة من التقدم في طريق السلام ومن القطيعات التي تخللت ذلك. إنه يتوقف عند «السلام الروماني» ومعاهدة «ويستغالي» والانطلاق المتعثر لـ «رابطة الأمم» بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تأسيس منظمة الأمم المتحدة بصيغتها الحالية والتي يرى أنها، رغم ما يعتريها من نقاط ضعف، لا بد منها بالنسبة لتسيير أمور العالم.
ويرى المحطة الأخيرة للبحث عن السلام في الجهود التي جرى بذلها لصياغة «نظام دولي جديد» بعد نهاية الحرب الباردة وحيث بدت أميركا في دور وحيد في التاريخ، إنه دور «سيد» النظام الدولي.
في المحصلة يصل المؤلف إلى القول أن متابعة الجهود لإعطاء النظام الدولي هي أمر إيجابي بل ومصيري إلى هذا الحد أو ذاك وأنه من الجوهري جدا المثابرة في ذلك على أساس أن «المؤسسات الدولية هي الحالة الطبيعية للبشرية»، كما نقرأ.
ويتم التحذير في هذا السياق من خطورة الفترة التي تلت انهيار الاستقطاب الثنائي الدولي وما تبعه من فوضى بدأت ملامحها الأولى في منطقة البلقات وتكرّست صورتها أكثر فأكثر مع تنامي ظاهرة الإرهاب وأخذها أبعادا دولية.
لكن «لحظة الأحادية القطبية الأميركية» خلال العقدين اللذين أعقبا انهيار الاتحاد السوفييتي لن تكون أبدا المرحلة الأخيرة من «التجربة الكبرى» للإنسانية.
ينطوي الكتاب على رسالة مفادها أنه بعد الرؤية «الخاطئة» التي تبنّتها إدارة جورج دبليو بوش للعالم وآثارها المفرطة في سلبيتها بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وخاصة ما ترتب على غزو العراق في ربيع عام 2003، بعد هذا كله يمكن لأميركا أن تستعيد ثقة العالم فيها عبر بذل جهود حقيقية وصادقة من أجل تجنب الأخطار التي تحدق بالبشرية وليس أقلها التغيّرات المناخية وأخطار حدوث كوارث نووية.وإذا كان القرن الأميركي قد انتهى فإنه قد بدأ قرن المنظمات الدولية... هذا ما يبدو أن المؤلف يرغب بقوله.
الكتاب: التجربة الكبرى
تأليف: ستروب تالبوت
الناشر: سيمون وشوستر نيويورك 2009
الصفحات: 512 صفحة
القطع: المتوسط
The great experiment
Strobe Talbott
Simon and Schuster
New York 2009
512P.
