من المؤكد أن السؤال الأول الذي سيقفز إلى ذهن المرء وهو يلقي النظرة الأولى على غلاف مجموعة جويس كارول أوتيس الثانية والثالثين، الصادرة مؤخراً عن دار إيكو النيويوركية، هو: ما الذي يمكن أن تكتب عنه أوتيس بعد نهر الورق الهادر الذي قدمته للقراء والذي شمل إلى جوار مجموعاتها ستاً وخمسين رواية وثمانية دواوين ومقالات وعروض كتاب لا حصر لها؟
إنها هنا تقدم لنا مجموعة مؤثرة، قوية التأثير وحادة الوقع من القصص، التي تعيد تصور معنى الحياة باساليب غير متوقعة ومفاجئة إلى أبعد الحدود، وعلى نحو يتحدى قدرة القراءة على الإمساك بالمعاني الخفية الكامنة وراء السطور.بالقوة والتعاطف اللذين ارتبطا باسم أوتيس، تقوم أشهر أديبات أميركا، على امتداد القصص الأربع عشرة التي تضمها هذه المجموعة، بسبر أغوار الحياة الحميمة للعائلات الأميركية المعاصرة والتدقيق في الصلات المتشابكة بين الأجيال واليأس والسعادة الخفية والمشعة النابعين من حب المرء على نحو يفوق الحب الذي يقابل به.ومن المؤكد أن نظرة واحدة على هذه المجوعة كفيلة بأن توضح لنا على نحو لاسبيل معه إلى الخطأ أن العلاقات العائلية التي تربط، وتخنق أيضاً، هي الموضوع الكلي الذي تدور حوله هذه المجموعة الجهمة، ذات الوضوح البالغ.
في القصة التي منحت المجموعة عنوانها، نحن على موعد مع رسالة حافلة من أم على غرار أندريه ييتس، الأم التي قتلت أطفالها، بعد أن أتمت ارتكاب جريمتها، حيث نفصل القول في اعتقادها بأنها قد نفذت مشيئة الله عندما أغرقت أطفالها الخمسة.
وفي قصف «الخصومة الصريحة» و»السقوط» تتردد بقوة أصداء الصلة بين أبن في سن المراهقة وأمه موحية بالعاطفة المسكوت عنها وجالبة على الابن عواقب لا تخطر له على بال.في قصة «أنشودة برنستون الرعوية» تجبر امرأة، بعد عقود من الزمن، على إدراك دور طفولتها في الحاق الدمار بحياة جدها الشهير المحبوب.
في قصة «ماجده ماريا» يحاول رجل الانعتاق والتحرر من الاستحواذ الايروتيكي المبهج والخطر الذي يهيمن على حياته.
وتأخذ قصص عديدة أخرى، مثل «الانتحار من خلال مركز اللياقة» و«العزيز جويس كارول» و«طبقات الجليد» منعطفات أقل مأساوية، حيث تكتشف بروح مرحة التداخلات بين الوعي بالذات والوهم.
هكذا فإننا نجد أنفسنا حيال قصص دراماتيكية النسيج كتبت بشكل مكثف وتستفز القراء دوماء لتقدم لنا، في نهاية المطاف نظرة فاتنة ومثيرة للقلق أيضاً على قلب أميركا المفعم بالغموض.
ومن شأن نظرة أكثر تعمقاً على المجموعة أن توضح لنا أن ما تحاول أوتيس القيام به على امتداد القصص الأربع عشرة التي تضمها المجموعة هوا لحفر للكشف عن الجانب المريض والمثير للقلق من الحياة الأميركية. وربما لهذا، على وجه الدقة، فإن المجموعة تغلب عليها الأجواء الشتوية والمعتمة.
وفيما تهوى بنا أوتيس متردية إلى أغوار الحقائق الواقعية المتعلقة بالموت والحزن النابع من صميم الحياة، فإننا نلاحظ أنها في الوقت نفسه تحافظ على الحميمية والتوحد مع شخصياتها.
وتنتقل بنا المؤلفة من الرغبات التي لا سبيل إلى السيطرة عليها التي تستبد بالمدمن على المخدرات إلى الحد الذي لا يعرف التراجع الذي تكنه المرأة لابنها، فندرك على أي نحو بارع صيغت هذه الشخصيات وبأي عناية كتبت حياتها ومآزقها والمعضلات التي تواجهها.
وتأتي هذه المجموعة لتشكل فصلاً آخر في حياة أشهر أديبات أميركا ومسيرة حياتها العملية الحافلة بالمحطات الباهرة التي لا تنتهي.ربما لهذا، على وجه الدقة، فإننا سنجد أن كبرى الصحف والمطبوعات الأميركية العامة والمتخصصة في عروض الكتب ستبادر إلى تناول هذه المجموعة بالمزيد من الحماس والاهتمام.
هكذا فإننا نقرأ في ختام مقال مطول كتبه كريستوفر بنينيفي في صحيفة »نيويورك تايمز» عن هذه المجموعة قوله: »إذا كان هناك درس مستفاد هنا فإنه الحكمة المتعلقة بأن أي شيء يمكن أن يحدث النابعة مما تصفه أوتيس بالحكايت الخرافية الوحشية والرهيبة.
فربما تقطن في حي راق تكسوه الخضرة والزهور، ولكن ليس هناك شيء على الإطلاق يمكنك القيام به لمنع ظهور جثة أبنك البالغ من العمر تسعة عشر عاما في منطقة قريبة للردم بالرمال وسط شاحنات ساحقة تنقل النفايات وبلدوزرات وصيحات الطيور المنقضة مسرعة لالتهام طعامها».
وبدورها تركز مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب على التركيز الكبير من جانب أوتيس في هذه المجموعة على العلاقات العائلية وتأثيرها الذي يخنق بقدر ما يربط.وتلفت المطبوعة نظرنا بصفة خاصة إلى أهمية قصص بعينها في المجموعة، وبصفة خاصة القصة التي منحت المجموعة عنوانها وكذلك قصة «أنشودة برنستون الرعوية» حيث يتناهى إلينا المضمون من خلال قالب الرسالة الذي يفرض ضوابطه الصارمة على المؤلفة.
وتتوقف المطبوعة نفسها عند قصة «الحارس» التي تدور حول فتى يكافح إدمانه للمخدرات في الوقت الذي يساعد أمه، التي لا تدري جلية الأمر، على الانتقام من أبيه الذي أنفصل عن الأم طويلاً.
وتشدد على أن قصة «خاص» تروى من منظور صبية في المدرسة الابتدائية تمضي نحو تحرك يائس، وهي ترقب أختها الأكبر سناً التي تعاني من التوحد والتي توشك على الإطاحة بزواج أبويها وتستقطب اهتمامها كلية.
وتشير «بيلشرز ويكلي» إلى أن أهم ما في هذه المجموعة الجديدة أن أوتيس تنفذ على امتدادها إلى أذهان شخصيات يائسة لترصد الجوانب السامية والمتدنية في العائلات الأميركية الحقيقية.
وبدورها تلفت مطبوعة «كيركوس» المتخصصة نظرنا إلى أن قصص المجموعة تدور حول علاقات العائلات الأميركية وأزماتها، وأن نسقاً منها على الأقل تطرق أبواب هذا الموضوع بقوة وحسم، ففي قصة «فزع» يكتشف زوجان ينطلقان مسرعين على طريق رئيسي مدى هشاشة الصلة التي تربطهما عندما تهددهما حافلة مدرسية تقل عدداً من المراهقين يبدو أنهم يشهرون مسدساً نحوهما.
ويكتب جوش كوهين مقالاً مطولاً في مطبوعة «لايبراري جورنال» الأميركية المتخصصة يشير فيه إلى أن قصص المجموعة الأربع عشرة تمحص ما يبدو للوهلة أنه لا يعدو أن يكون علاقات عائلية عادية، ولكن مع إلقاء المزيد من الأضواء فإن التشققات والتصدعات سرعان ما تبدو واضحة للعيان.
ويشير كوهين إلى أنه في كل من قصتي «بنات الضرير المرئيات» و«أنشودة برنستون الرعوية» يتم كشف النقاب عن الصدمة وخيبة الأمل في علاقة البنات بالآباء. وفي ثلاث قصص على الأقل من قصص المجموعة تفضي التفاعلات بين الأمهات والأبناء إلى نتائج مختلفة. وفي ثلاث قصص أخرى ينصب التركيز على النتائج المترتبة على قرارات النساء بالتحرك من عدمه.
وفي إحدى أغرب قصص المجموعة، وهي «طبقات الثلج» تلتقي شابة بعائلة صديقها المقرب.
وفي كل هذه القصص، حسبما يؤكد لنا جويش كوهين، تركز أوتيس على جانب من جوانب الحياة الأميركية على نحو يتيح قراءة معمقة ومفعمة بالأفكار ويفضي إلى خلاصات غير متوقعة، الأمر الذي يجعل من مجموعتها الجديدة خياراً موفقاً للمكتبات الراغبة في اقتناء الأعمال الإبداعية المهمة.
وفي نهاية المطاف، نظل أمام عمل قصصي جدير بأكثر من قراءة وباهتمام حقيقي، ربما لأنه يقدمنا لأميركا الأخرى، التي لا يعرفها الكثيرون منا، أميركا البعيدة عن الكاميرات وأضواء النيون وبريق الكلمات الكبيرة، أميركا الحقيقية، المفعمة بالتعاسة والرعب والمآسي.
الكتاب: الزوج العزيز
تأليف: جويس كارول أوتيس
الناشر: إيكو، نيويورك 2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Dear Husband
Joyce Carol Oates 9002 ,Y.N,occE
336P.

