يروي كتاب «أوغاريت» لمؤلفه قصي عبد الرحمن قصة اكتشاف هذا الموقع الأثري على مقربة من خليج (مينة البيضا) على الساحل السوري شمالي مدينة اللاذقية، على بعد 11 كم عنها عندما كان أحد الفلاحين ويدعى محمود منلا الملقب بالزير يحرث أرضه في شهر إبريل من عام 1928، اصطدم محراثه بشيء صلب في بطن الأرض.

وبعد معالجته تبين أنه جزء من قبر خرب، تدخلت السلطات المحلية وأرسل خبر الاكتشاف إلى إدارة الآثار في بيروت، وجاء أحد موظفيها ليتأكد من الاكتشاف فوجد مدفناً مبنياً من الحجر المصقول وفيه كمية من الأواني الفخارية، وعلم من السكان أن المنطقة غنية بالمخلفات الأثرية المختلفة التي يعثرون عليها بين فترة وأخرى كالأطباق والخناجر.كشفت التنقيبات عن ثروة من الدلائل الوثائقية وآلاف الألواح الطينية المكتوبة التي عثر عليها ومذكرات لتجار وأفراد عاديين مكتوبة بلهجة وخط محلّيين، وبعضها الآخر يعالج قوائم للمدن والمقاطعات التابعة لأوغاريت وقوائم للمحاربين وجداول وإيصالات. بالإضافة إلى قوائم معجمية للاستعمال المدرسي وألواح باللغة الحورية والقبرصية المسينية، ولهذه المكتشفات أهمية كبيرة تبرز الدور الذي لعبته واحدة من أغنى وأقوى المدن في الشرق القديم في أواخر العصر البرونزي، منذ منتصف الألف السابع قبل الميلاد حتى القرن الثالث بعد الميلاد.

إن أوغاريت الواقعة على رأس بحري، كأنها نقطة تقاطع بين اليابسة والطرق البحرية، وقدّر لها منذ البداية أن تصبح قوّة تجارية. عبر مسافة الإبحار السهل، بين قبرص (الآشيا) وساحل كيليكيا والميناء الشمالي الأبعد من سلسلة الموانئ التي كانت عقدة مواصلات ساحلية، إلى لبنان وفلسطين ومصر، كانت أوغاريت تربط بين العالم الإيجي والمشرق.

إن القطعان الكبيرة من الغنم والماعز التي كانت ترعى في السهوب أمدّت أوغاريت بكميات كبيرة من الصوف، وقد صُبغ باللونين الأرجواني المحمر والبنفسجي المائل إلى الزرقة، وتم ذلك في الحي الصناعي، حيث وجدت أكوام من الصوف التي تدل على ذلك.

وكان يرزم على شكل بالات أو ملابس جاهزة للتصدير، وحمل التجار الحبوب إلى آلاشيا وسيليسيا، ووضع زيت الزيتون المنتج بكميات تجارية في جرار كبيرة، وجهّزت المعاصر الضخمة له، وكان يصدّر إلى الخارج بكميات كبيرة.وقد وجدت بعض هذه الجرار في المخازن المنتشرة على طول الشاطئ، أما الأخشاب الممتازة كالبقس والعرعر والصنوبر القاسي، فلم تصدّر، لأنها مطلوبة كسلع ضرورية للبلاد.

وصدّرت أوغاريت خمورها وتاجرت بالملح من أحواضه الاصطناعية المنتشرة على طول الشاطئ. ووجود الأوعية العاجية وأوعية الألباستر المحلية الصنع في رأس شمرا يدل على قيام تجارة مزدهرة تناولت الزيوت المعطرة ومساحيق التجميل.

وقد جعلت هذه الأوعية على نمط مثيلاتها المصرية.النصوص التي اكتشفت في خرائب أوغاريت كانت مكتوبة بلغات عديدة وهذا لا يدعو إلى الدهشة بالنسبة إلى مدينة تجارية عظيمة.

فعلى ما يبدو وكان الحديث يجري على نطاق واسع باللغة الحورية، وكان المرء هناك يفهم اللغة الحثية، قراءة وكتابة، وكذلك المصرية، غير أن البابلية استخدمت على نطاق واسع، ورغم كتابتها المسمارية المعقدة، فقد استخدمت في المعاملات الحقوقية والمراسلات الديبلوماسية. وحتى المسمارية التي كانت قد أصبحت من اللغات الميتة منذ وقت طويل وقد استطاع الأوغاريتيون إتقانها.

لقد كتب الأكديون برموز مسمارية، يدل كلُّ منها على مقطع، ولذا كانت هناك حاجة إلى استخدام مئات الرموز، ولكن الأوغاريتيين كتبوا برموز قليلة لا يتجاوز عددها الثلاثين، ومعنى هذا أن الأوغاريتيين بسّطوا نظام الكتابة، فلم تعد هناك حاجة لتعلّم مئات الرموز، لقد عبّر الأوغاريتيون عن كل صوت من أصوات اللغة بحروف كبيرة.

إن مصادر الأدب السوري القديم الأساسية وجدت في أوغاريت، ومنذ بدايات التنقيب هناك، لم توجد وثائق تتعلّق بالحياة اليومية والإدارة فقط، بل أعمال أدبية كثيرة، نسخت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهي ليست مكتوبة باللغة «الأكادية» (اللغة العالمية خلال تلك الحقبة)، بل بلغة مستقلة، نسمّيها اليوم «الأوغاريتية».

الكتاب: أوغاريت

تأليف: قصي عبد الرحمن

الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2008

الصفحات: 440 صفحة

القطع: المتوسط

فيصل خرتش