يحاول كتاب «الحداثة الممكنة» للناقدة رضوى عاشور إعادة الاعتبار إلى أحمد فارس الشدياق وكتابه المهم «الساق على الساق فيما هو الفارياق» وهو كتاب نقدي ساخر يجمع بين السيرة الذاتية والرواية والولع باللغة، ويوظف العديد من عناصر الموروث الأدبي العربي، بقدر ما يضيف إليه جديدا على مستوى المضمون والشكل.

يناقش الكتاب الحداثة الكولونيالية في ضوء موقف المؤسسة النقدية من الشدياق؛ ويميز بينها وبين حداثات ممكنة لا تتقيد برؤية واحدة لتنظيم حياة البشر وتاريخهم وإنتاجهم الثقافي. أما الهدف الرابع والأخير فهو الدعوى الضمنية لإعادة النظر والتفكر فيما قدمته حقبة النهضة وما تلاها من إجابات لم تحُل في واقع الأمر، من انتهائنا إلى ما نحن فيه الآن.وترى المؤلفة أن الموروث الأدبي الذي لجأ إليه الشدياق هو موروث الكتابة الساخرة التي تضرب عرض الحائط بالواقعة ونمطها الصارم القائم على القصة الواحدة وتسلسلها الزمني وبنيتها العضوية .ولا بد أن هذا التمرد على مستوى الشكل له علاقة بحياة الشدياق التي كان يصعب تصنيفها ضمن طبقة وسطى أو نبلاء..الخ ولكن هذا موضوع يحتاج إلى دراسة أوفى على أي حال.

تؤكد رضوى عاشور على أن لغة الشدياق في الساق على الساق لغة فريدة فهو وإن كان يلجأ إلى السجع وعناصر من البديع إلا أنه يختلف بشكل واضح عن الأساليب الإنشائية الشائعة في زمنها والتي يسخر منها في أكثر من موقع من كتابة سواء بالنقد المباشر أو بالمحاكاة الساخرة.

كما للشدياق دور مؤسس في تشكيل النثر العربي الحديث، وترى رضوى عاشور أن أي كتاب كبير يرتبط بعلاقة خاصة بالغة وإن تعددت أشكال هذه العلاقة وتفاصيلها، ولكن الملاحظ في حالة الشدياق يملك إحاطة مدهشة ونادرة بمفردات اللغة العربية قد لا تتوفر إلا لأصحاب المعاجم والمتخصصين في فقه اللغة، وقد كان منهم وإن تميز عليهم بملكة الكتابة الإبداعية.

باختصار كانت حداثة الشدياق في الساق على الساق حداثة مناقضة للحداثة الكولونيالية القائمة على قطيعة تاريخية وثقافية تتبنى نظرة استشراقية للذات فلا ينوبها من هذه النظرة إلا التفريط في ثرواتها موروثها، في الساق على الساق تبرز حداثة ممكنة لا تملك مقومات الحياة فحسب بل تملك طاقة هائلة من الحيوية تفتح آفاقا تغنينا وتغني البشر، عموم البشر لا العرب وحدهم في مسعاهم للإحاطة بتجاربهم عبر صنوف البيان.

الكتاب: الحداثة الممكنة الشدياق والساق على الساق

تأليف: رضوى عاشور

الناشر: دار الشروق القاهرة 2009

الصفحات: 350 صفحة

القطع : الكبير

محمد الحمامصي