لم يفلت التشكيل المحلي في الامارات من سيرة البحر وأسرها ومن سيرة الشقاء والحب معها ومن أشرعة السفن في تشكيلاتها المختلفة، فالبحر حياة كانت حاضرة بقوة ولا شيء يجاريها سوى نقضيها، سيرة الصحراء وخيام الراحلين في البراري.. مر التشكيل الإماراتي بسيرة البحر كثيرا، بل كان ركيزة انطلاقات للعديد من الفنانين في بداياتهم الأولى، سفينة راسية على ساحل البحر وبحارة يشدون شباك الصيد وأسماك متناثرة فوق الرمل الفضي وشمس ساطعة في عمق اللوحة وعين جاحظة لسمكة تبتسم.. سيطر الأزرق سيطرة كبيرة على المساحات اللونية ابتداء من قاعها وحتى حافتها العلوية .
حيث السماء الصافية المائلة إلى قليل الزراق مثلما سيطرت درجات البني عبر ألواح السفينة وعبر زنود المشتغلين الكادحين تحت شمس الخليج الحارقة ووجدت كذلك انطلاقات لونية باعتبار أن قاع البحر وما ينتجه فسفور المياه حديقة مثمرة بالألوان ودرجاتها.. رسم التشكيل الإماراتي وسجل ذاكرة البحر وحياته والمهن التي نمت فوق أكتاف أمواجه، ليس لأن موضوعة البحر هي الحاضرة في سيرة التشكيل البشري.وليس اتباعا وتقليداً لموضوعات فنانين عظام، ولكن لأن سيرة البحر هي سيرة الإنسان الخليجي مثله مثل كثير من البشر الذين وجدوا أنفسهم ملتصقين بالملح والموج ووشوشات الريح في الليالي المقمرة، او عويلها المرعب في المساءات الخطرة، حينما تبدأ الريح في اقتلاع مراسي السفن والبيوت وتخلط الحابل بالنابل.
حيث كانت المدينة عبارة عن صفوف من البيوت تنام بقرب البحر معرضة حياتها وبسهولة للغرق، أو بالأحرى للمغامرة، حضور البحر هذا كمصير حياة وكأيقونة تختزل الذاكرة المفعمة بالمخاطر فرض نفسه على دروس الرسم الأولى، فالسفينة وجسدها وقفصها الصدري، درس مهم في التشريح والتفصيل والرسام الذي يمتطي ريشته للمرة الأولى سيكون أمام محاولة جس النبض ورصد الدهشة.. بحر وصيادون، سماء وأمواج، لآلئ واسماك وذهاب رومانسي إلى الطبيعة، بهذه الأدوات وتلك الروح تعلم الفنانون التشكيليون مد بحار ألوانهم إلى المساحات الفارغة والصعبة فوق صدور لوحاتهم.. تجارب نجح منها ما نجح بكسب عدة نقاط في جمال التسجيل والتعبير والتأثير والتأويل والانطباع، كما فشل فيها ما فشل بالسقوط في التكرار والنمطية..
يقول التشكيلي والباحث طلال معلا وهو واحد من الذين رصدوا كثيرا من ملامح التشكيل الإماراتي عبر المعايشة والقراءة والمشاركة والكتابة حولها: «الماء واحد من المواضيع التي شغلت الرسام الإماراتي من أجل إغناء الذاكرة الجمالية والانفعال بالمرئيات التي يشكل البحر أهم سماتها، فالجيل الأول من الفنانين عبر عن نظرة الخوف من البحر من خلال رصد السفن المغادرة وما تحمله من علامات القلق على مصير المسافر، ثم ظهر جيل آخر تعامل بعضه مع البحر بنظرة واقعية رومانسية».
هذا التحول الذي يرصده الباحث معلا ينطلق من نقطة محددة لها اتصال بالعلاقة بين الإنسان الخليجي والبحر وتقبلاتها، فمن المعروف أن الإنسان الخليجي ومن التحولات الدراماتيكية في منظومة علاقته بكسب الرزق، ومهن البحر هي سيدة الموقف هنا، فتلك التحولات القهوية، الإجبارية منها والاختيارية خلخلت الإنسان الخليجي من الداخل، أحب البحر بخشونة وبلا إرادة لأنه مصدر العيش والرزق.
وهجره وشتمه ولعنه بعد أن ترفع عن تعبه وشقائه، ثم هام في تراثه وتفاصيله حينما أصبح ذكرى، فالخليجي الذي يمر اليوم بسيارته الألمانية الفارهة سوف يتذكر كثيرا من الأيام والليالي المظلمة التي عاشها بين فكي سمكة قرش تهدد في كل حين، وبين أمواج رياح وأهازيج وأدعية على البحر وله.. وهو في ظل هذا الانحسار عن البحر، عاش تفاصيل العلاقة، من شد وجذب وغربة واشتياق..
وحينما اراد ان يعالج الإنسان الخليجي علاقاته بتراثه في ظل سطوة الحياة الحديثة ومدنه البلاستيكية الجديدة رسم وغنى وطرب وشد رحيل المشاعر إلى تلك الحياة الضاربة في الماضي.. لهذا يرسم ويغني الخليجي لأشيائه الماضية أكثر مما يتغنى بما يحققه اليوم، رغم الفارق الكبير في الانجاز..، فتلك البيوت التي كانت متراصة على ساحل البحر وتعيش البحر ذاته كمصدر للرزق ومتكأ للبقاء في مواجهة عنف البحر ستكون ذات قيمة كبيرة في لوحة رسام خليجي، أو إماراتي.
وستعطي انطباعا مؤثرا في المشاهدين، ان المتلقين..عبدالقادر الريس ومن لوحة الباب وحدها رج ما في الصدور القلوب، ورسامون آخرون جبلوا لنا اصطيادات بصرية لنوارس ونخيل هم ايضا يحققون بطولات في الامر..عملة نادرة تلك الاشياء التي تجعل الإماراتي والخليجي عائدا في عالمه الحاضر إلى ماضيه..التشكيل فعلها، حقا فعلها فكانت سيرة البحر حاضرة.. وما كان يكابده الصياد من مغامرات يومية بحياته .
وهو يواجه وحوشه المفترسة وطبيعته الغادرة وأهواءه المتقلبة جعل التشكيلي يعالجه من خلال ذلك القلق وتلك الحاسة المتربعة، فلا عجب ان يكون للموجه فك وانياب، وان تلكم السفينة بأنفها خد الموج وان تطير اسراب من طيور النوارس في اعلى اللوحة كأصرار على الحرية وتأكيد على التحدي، ووصلت درجة الاتقان في لوحات برزت فيها عضلات الزنود، بل وعروق دمائهم الناتئة في صدارة اللوحة لتكون الركيزة والارتكاز،.
وهذا كله حوار خشن بين الفنان وبين الطبيعة التي يحاول تصوير قسوتها. ثم غادر البحر شيئا فشيئا حياة الناس وابتعدت تلك البيوت المرتصة قبالة الساحل، بعد طفرة النفط، فالبيوت التي كانت من سعف النخيل صارت من اسمنت وحديد، فالبترول حول البحر إلى لاعب هامشي، بل وعنصر احتياط لا حاجة له كثيرا.. ذهب الصياد بعيدا ، صار اكثر مناعة ضد مكره.. ذهبت ذاكرة البحر إلى الدهاليز الخلفية وصار ارشيفا..
ثم حدثت انتكاسة ونكوص لدى الإنسان الخليجي بعدما اكتشف ان لحياته الجديدة ايضا فكوك وانياب، عاد التشكيلي الاماراتي يعيد صياغة تلك العلاقة القديمة، العلاقة التي انقطعت خيوطها، فحن الحبيب لحبيبه وتاق شوقا اليه.. فخرجت تلك الاعمال التشكيلية التالية ووليدة مرحلة النفط، كما قال المعلا، «جيل نظر إلى البحر من خلال ريشة رومانسية وواقعية».
هنا وفي هذه المرحلة بدأت السفينة الخشبية جانحة على ساحل البحر الاسمنتي، كل ما حولها يخدش جسدها المتهالك ويؤذيه بالوخز وارتمت الشباك الممزقة فوق الاسفلت، وكبر حجم اللؤلؤة في كبد اللوحة كدلالة تأكيد وتمركز. وفي بعض الاعمال الفنية بدأ البحر اكثر هدوءا وأمواجه وادعة، فالتشكيلي الذي عاد يداعب معشوقه القديم صار ملزما ان يقدم اعتذاراته .
وان يعلن تودده، فما عاد البحر في لوحة جيل التشكيليين الجدد ذاك المهلك والقاتل والداعي إلى العطش.. عبدالقادر الريس، نجاه مكي، عبدالرحيم سالم، محمد مندي، عبيد سرور، جويرية الخاجة، محمد القصاب، محمد يوسف، ابراهيم العوضي واخرون في الجيل نفسه واخرون جاءوا بعدهم عرفوا بالجيل الثاني اغلبهم وبقوة رسموا في سيرة البحر وباحوا واعترفوا وكشفوا توترات العلائق بينهم وبينه وبينهم وبين حياتهم الجديدة..
ففي لوحة لعبدالقادر الريس وهي لسفينة عارية من الاشرعة ومن التفاصيل، تبرز السفينة بقصدية كبيرة محتلة مركز الثقل، وبل ويجعلها الريس تتقدم في امام اللوحة لتبتلع المساحات ولا تترك له فرصة للخلفيات، وهو المعروف عنه بمداعباته ومشاغباته اللونية. لكن هذا واحد من مرض الحنين الذي يعانيه الريس، مثله مثل آخرين فقدوا البحر كحاضر في التفاصيل وفي اليوميات..
ولدت سيرة البحر في التشكيل الاماراتي بصفة خاصة وفي التشكيل الخليجي بصفة عامة مراحل متعددة كلها ارتبطت ارتباطا وثيقا بتوتر العلاقة عبر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا شك إن تأثيرات الاحداث التي مر بها هذا الارخبيل المائي وخزان النفط العالمي كان لها الحضور الكبير..فحينما نشبت الحرب العراقية الايرانية وما سمي يومها بحرب الناقلات، ناقلات النفط بدأ الجحيم حاضرا على صفحة الماء، فالالغام التي نثرها المتحاربون حلت محل النوارس الجميلة.
واشعلة الشمس الذهبية حل محلها ضوء الانفجارات وانعكاسات نيرانها، تغير لون اللوحة وتغيرت مفرداتها، وتابع التشكيلي الاماراتي والخليجي تلك المشاهد المرعبة، صار البحر قابلاً للانفجار في اي لحظة، وتشوه اللون الازرق باللون الاحمر ودرجاته، وحينما عانى البحر من تسرب زيوت الناقلات إلى بيئته وبدأ التشكيلي يصرخ من خطر يهدد الحياة والنوارس والاسماك ذهبت ألوان اللوحة إلى مناطق جديدة..
مضت سيرة البحر بتبدلاتها وتحولاتها من المرعب إلى الرومانسي والحنيني إلى المرعب من جديد، إلى حال الاغتراب وشيئا فشيئا غابت السواحل وابتعد الموج في الوقت الراهن، فالمدن الجديدة والاسمنت الذي ابتلع السواحل غير البحر خلفه وصار حاجزاً بينه وبين التشكيل، غابت السفن عن الحضور اليومي وكذلك الاسماك وشباك الصيد ولأن اللآلئ هي الاخرى قد صارت بعيدة ومن زمن طويل، شهد التشكيل هجرة البحر من اللوحة..
في كتابه الجديد والذي يقدم قراءة جدلية في المشهد التشكيلي المحلي ويترصد انطلاقات رواده تحت عنوان «القرن الجديد..اتجاهات الفن التشكيلي في الامارات بعد العام 2000» يقول الباحث والتشكيلي علي العبدان.
وهو يقرأ التحولات والتبدلات في مسيرة التشكيلي الاماراتي محمد القصاب..» بدأ الفنان محمد القصاب طريقه الفني بدراسات تخطيطية لما يقع تحت بصره من موضوعات، ثم تعامل مع الألوان الزيتية مشتغلا بتصوير اللوحات التسجيلية التي تمثل الواقع المشاهد، فلم تكن بداياته شاذة عن بدايات سواه من الفنانين في الساحة المحلية، لكن القصاب لم يكن كغيره ممن يرسمون عموم البيوت القديمة والبراجيل والقوارب وغيرها من المشاهد الطبيعية المحلية، بل كانت لوحاته تنم عن شيء من الرثاء لما يرى وذلك كعمله ..
بقايا قارب ـ إنتاج 1985، وعمله الاخر الذي سجل فيه مأساة طفل وقع تحت ركام هدم في الحرب الأهلية اللبنانية.. يرصد العبدان هذه الجزئية عند واحد من الفنانين التشكيليين المحليين ليؤكد ان كثير من اللوحات والاعمال التسجيلية كان دافعها الحنين..
اليوم باستطاعتنا ان نقول ان التشكيل المحلي حفظ لنا شيئا من سيرة البحر، لكن هل سيرة البحر التي اختارها البحر نفسه، أم أنها سيرة هذا الفنان القلق المتبعثر في مدى علاقته بهذا المدى الواسع من الذكرى وسيرة الماء والموج؟
مرعي الحليان

