أجرت مجلة «نيويورك تايمز مجازين» هذه المقابلة مع الكاتبة الأميركية الشهيرة جويس كارول فور صدور مجموعتها القصصية الثانية والثلاثين بعنوان «الزوج العزيز»، حيث ألقت الضوء على جوانب من أجواء قصصها والكيفية التي ارتبطت بها بعض هذه القصص بملامح من حياتها الخاصة، وأعربت عن اعتقادها بأن التراجيديا تشكل أرفع أشكال العمل الفني، وأشارت إلى أنها تؤثر النهايات الدراماتيكية كختام لقصصها.

وقالت إنها على الرغم من الكم الهائل الذي انتجته من الأعمال الإبداعية بما في ذلك الروايات والدواوين ومجموعات القصص القصيرة والمقالات، إلا أنها لا تعتبر نفسها غزيرة الانتاج وخاصة خلال العام الماضي، كما أنها لا تستعين بمساعدين لها، بل وتقوم بأعمال تنظيف الدار بنفسها، وتعتبر هذه الأعمال مكافأة لها على انجازها للقدر المستهدف من أعمالها الإبداعية. وفيما يلي نص المقابلة:

باعتبارك أستاذة في جامعة برنستون وأبرز أديبات أميركا، فمن المفترض أنك تدركين أن عنوان مجموعتك القصصية الجديدة «الزوج العزيز» يمكن أن يفضي بالقارئ إلى توقع ذكرى رقيقة حول الزوج الذي ارتبطت به طويلاً والذي توفى العام الماضي.كان ذلك أغرب أنواع المفارقات.

حيث كان المخطوط قد تم الانتهاء منه لتوه قبيل موت زوجي راي، والأزواج في هذه المجموعة القصصية لا يشبهونه من قريب أو بعيد.المرأة في القصة التي منحت المجموعة عنوانها تكتب إلى «الزوج العزيز» الذي ارتبطت به لتوضح كيف أنها نفذت مشيئة الله من خلال قيامها باغراق أطفالها الصغار في مغطس الحمام. لماذا تجدين العنف شديد الجاذبية على هذا النحو كموضوع أدبي؟

إذا كنت بسبيلك إلى قضاء العام المقبل عاكفاً على الكتابة، فإنك ربما تفضل أن تكتب عملاً في مستوى «موبي ديك» وليس عملاً صغيراً عن لغز منزلي، وأنا أعتبر أن التراجيديا هي أرفع أشكال العمل الفني على الإطلاق.

على الرغم من أنك قد نشأت قرب بافلو، فإنك غالباً ما وصفت بأنك وريثة الخيال القوطي الجنوبي عند فلانري أو كونور، الذي تشتركين معه في خلفية كاثوليكية.

لم يكن بمقدوري على الإطلاق المضي بفكرة الدين بصورة جدية إلى رحاب الأدب، والواقع أن هناك كاثوليكيين آخرين مضوا إلى الإغراق المبالغ فيه في تفاصيل تتعلق بهذا الموضوع، وهو ما لم يكن لدي استعداد للقيام به.

من القصص التي تبعث الرعدة في الأوصال في مجموعتك الجديدة قصة «خاص» التي يبدو أنها تستلهم تجاربك الخاصة باعتبارك الأخت الكبرى لامرأة تعاني من التوحد بصورة خطيرة.عندما أنظر إلى صور لين، فإنها تبدو شبيهة بي قليلاً، ومن قبيل المفارقة أن لي أختاً لم تنطق قط كلمة واحدة، وبالطبع لا يمكنها القراءة، بينما كتبت أنا كل هذه الكتب.ربما كان لديك رد فعل مفعم بالخوف حيالها وشعرت بأن عليك المضي إلى الطرف الأقصى الانتاجي على نحو مبالغ فيه.

أعتقد أن الأمرين غير مرتبطين بالمرة فعلاً، فقد كنت أقوم بتأليف الروايات في مرحلة الدراسة الثانية، وقمت بتدريب نفسي على يد كل من وليام فوكز وإرنست هيمنجواي، وكنت كاتبة تكرس حياتها للكتابة قبل ولادة أختي.

هل تنظرين إلى غزارة الإنتاج باعتبارها فضيلة؟

لا، إنني حتى لا أنظر إلى نفسي باعتباري منتجة وبصفة خاصة في العام الماضي، الذي كان إنتاجي خلاله محدوداً بكل المعايير، على الأقل مقارنة بما أنجزته في أعوام سابقة.

هل لديك مساعد أو مساعدة؟

لا، فأنا أكثر خجلاً من أن أقوم بالاستعانة بأحد في هذا الصدد، بل إنني لم أستطع احتمال مجرد التفكير في ذلك. وأتذكر أن الأديبة مارجريت درابل قالت إنه كان من المتعذر عليها حقاً أن تقوم بالاستعانة بامرأة لتنظيف دارها، لأن ذلك بدا لها كما لو كانت تقوم بتوظيف أمها لأداء هذه المهمة، ونحن ننتمي إلى خلفية يقوم المنتمون إليها بأعمال تنظيف الدار بأنفسهم.

لم يفت الوقت بعد على تغيير الاساليب التي درجت على اعتمادها.إن تنظيف الدار هو بالنسبة لي شيء اعتدت على امتداد فترة طويلة من حياتي أن أكافئ بها نفسي إذا استطعت انجاز قدر معين من العمل المستهدف في مدة محددة. وأنا أحس بحالة من السعادة الذهنية عندما أقوم بتنظيف الأرضيات بالاستعانة بماكينة التنظيف، واعتقد أن بعض زملائي من الذكور، من أمثال فيليب روت ودون ديليلو، محرومون من هذه المتعة تماماً.

هل فكرت في كتابة مذكراتك؟

لقد أردت كتابة مذكرات تدور حول كوني امرأة مات عنها زوجها، فوجدت نفسها في مواجهة حياة الترمل من دون سابق إنذار، وهو عمل يتضمن صعوبة خاصة فيما يتعلق بآفاقه النفسية، تضاف إلى التعقيدات المتعلقة بفن كتابة المذكرات، وهو فن لا يفتقر إلى الصعوبة في حد ذاته، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة المشتركة مع الآخرين.

والتي تعد أقرب إلى أجواء الأسرار والطقوس، وقد ينظر البعض إلى الكشف عنها باعتباره خيانة، لكنني شخصياً لا أعتبره كذلك، وإنما أعتبره حقاً وواجباً على كل من يمتلك القدرة والموهبة على تحويل الأحداث والوقائع إلى أدب يبقى عبر السنين في ذاكرة الأجيال.

ومذكراتي المقبلة ستكون نقيض ما كتبته جوان ديديون، ومذكراتها جميلة ومفعمة بروح الرثاء. أما مذكراتي فسوف تكون مليئة بكل أنواع التهريج الحافل بالخشونة والأشياء المهينة والمقللة من الشأن إلى أبعد الحدود، وقد لايتردد البعض في تشبيهها بصفائح القمامة التي تتساقط قيعانها بكل ما يترتب على ذلك من نتائج مزعجة.

هل تعتقدين أن حياة الترمل مفهومة بشكل صحيح؟

أعتقد أن جوان ديديون قد مضت بحياة الترمل إلى مستوى رفيع للغاية في كتابها الذي كرسته لهذا الموضوع، وهي لديها مساعدون بالفعل، وربما كانت تستعين بخادمة في أداء المهام المنزلية. ولكن حياة الترمل هي بالفعل تجربة بالغة الصعوبة والتعقيد، وهي ليست تجربة مأساوية وتقتضي رباطة الجأش بقدر ما هي مرهقة عضوياً.

والكتابة عنها من شأنها، بالقطع، أن تعكس كل هذا القدر من الصعوبة والتعقيد الذي يكتنف هذه النوعية من الحياة، التي تحل بساحة المرء من دون سابق إنذار وبلا توقع ومن دون أن يكون مؤهلاً بأي شكل من الأشكال للتعامل معها، الأمر الذي يطرح عليه سلسلة لا تنتهي من التحديات، يتعين عليه أن يحلق عالياً للتصدي لها، وهو الأمر الذي قد لا يتحقق بالضرورة في كل الأحيان.

في قصصك، ومنها هذه المجموعة الصادرة مؤخراً، «الزوج العزيز»، يبدو واضحاً أنك تبحزين النهايات الداماتيكية، فهل يمكننا أن نجرب نهاية دراماتيكية لهذه المقابلة؟

نعم، إنني أحس بأنني طريدة.

سمعت بأنك قد أصبحت مخطوبة لتوك، فهل هذا صحيح؟

ليس المجال المتاح هنا كافيا للحديث عن طبيعة شعوري حيال خطبتي لتشارلز جروس، الذي يعمل بقسم علم النفس ومعهد علوم الأعصاب في جامعة برنستون، وهي الجامعة التي أعمل بها بدوري، فنكتفي إذن بالقول إن الافصاح عن طبيعة هذا الشعور ولو في الحدود الدنيا وبأبسط المعاني والتعبيرات، يحتاج إلى أضعاف المساحة المحدودة المتوافرة لنا هنا.

منى مدكور