ليلة الجريمة النكراء، حشر في ستاد سانتياغو ألوف الشبان الذين جمعهم جنود بينوشيه، كان من بينهم شاب في الثلاثين من عمره، اشتهر بعزفه الشجي على الغيتار، وانتصاره للتجربة الديمقراطية التي أوصلت الرئيس سلفادور الليندي إلى سدة الحكم، تقدم منه أحد ضباط الانقلاب، الذي قاده الدكتاتور بينوشيه، وأمر جنوده بإحضار الغيتار.

وقدمه للشاب فيكتور هارا، طالبا منه العزف، إلا أن الشاب هارا رفض قائلا إن موسيقاه خلقت للحياة وليس للموت، فما كان من الضابط إلا أن قطع أصابع يدي هارا العشرة، قائلا له : أصبح بوسعك الآن أن تعزف موسيقى الموت.

بفضل ضغوط خارجية وداخلية عديدة ولا سيما من الوسط الفني والأهلي،وفي بادرة طال انتظارها،أعاد قاض تشيلي فتح القضية المتعلقة بجريمة قتل الموسيقي والمغني والشاعر والمخرج المسرحي التشيلي فيكتور هارا ، الذي أغتيل في 16 سبتمبر 1973 في ملعب لكرة القدم في العاصمة سانتياغو، حيث زج به مع خمسة آلاف شخص آخر على يد القوات القمعية التابعة للنظام الديكتاتوري الذي كان يقوده الجنرال أوغستو بينوشيه والتي لم يكن قد مضى على اطاحتها بحكومة الرئيس الراحل سلفادور دالي المنتخبة بصورة ديمقراطية سوى خمسة أيام.

على ما يبدو، حسب بعض الشهود، أن ضابطا من الجيش يطلقون عليه لقب «الأمير»، كان قد عذب هارا حتى الموت بما في ذلك قيامه بتهشيم وتقطيع أصابع يديه العشرة بعد أن رفض المغني العزف على قيثارته نزولا عند طلب ذلك الضابط الذي لم يرق له رد الثائر التشيلي على طلبه حين قال له: «أنا لا أغني للموت، أنا أغني للحياة فقط»، فما كان من الضابط إلا أن بادره بتهشيم أصابعه قائلا له:«الآن أصبح بوسعك الغناء للموت».

لكن يصعب، في يومنا هذا، معرفة،بشكل دقيق ومحدد، هوية الجنود شبه العسكريين الذين شاركوا في في تلك المجزرة الانسانية الوحشية، لكن جميع التشيليين يدركون الآن،بلا أدنى شك، أن الاسم الحالي لملعب كرة القدم ذاك هو اسم من كان رمزا موسيقيا للمقاومة ضد الانقلاب العسكري الدموي الذي قاده الجنرال المجرم.

فيما يتعلق بيديه، فلقد تحولتا إلى أسطورة منذ لحظة وفاته، فهناك روايتان بهذا الخصوص. الأولى يرويها من يؤكدون أنه بعد تلقيه ضربات شديدة والتعرض لأساليب متعددة ومتنوعة من التعذيب، فإن هاتين اليدين، اللتين طوعتا القيثارة لإلهاء الخوف وابعاد شبح الموت وترسيخ روح المقاومة، تعرضتا للتعذيب بأعقاب البنادق القاسية بطريقة وحشية أدت إلى إعطابهما تماما.

الرواية الأخرى يتبناها الذين غامروا بالتأكيد على أن كلتا يديه قد تم بترهما. لكن أصبح في حكم المؤكد،على ضوء ما ثبتته في عام 1999 لجنة الحقيقة والمصالحة،أنه قد تم رمي جثته على الفور بعد التعذيب الذي تعرض له ورفاقه في ملعب كرة القدم في حرج قريب من مقبرة العاصمة ليصار إلى نقله لاحقا إلى المشرحة حيث تعرفت عليه زوجته الراقصة الانجليزية جوان تورنر.

«كانت عيناه مفتوحتين وبدا وكأنه كان ينظر إلى الأمام بعزم وتحد،رغم ذاك الجرح الغائر في الرأس وآثار الكثير من الضربات الرهيبة على الخدين.كان صدره مثقبا وكان هناك جرح مفتوح في البطن، اليدان بدتا معلقتان بساعديه في زاوية غريبة كما لو كانتا لدمية محطمة، لكن لا شك بأنه كان فيكتور زوجي، حبيبي»، على حد تعبير أرملة الموسيقي الثائر، الذي غنى لكل ما هو جميل في تشيلي وأميركا اللاتينية والعالم.

لكن لنرى من كان فيكتور هارا،ذلك الشاب الفلاح الذي كان من دأبه تكرار أن غناءه كان «سلسلة بلا بداية وبلا نهاية»،والذي انتهى به الأمر، مع ذلك، ملحنا انطلاقا من أحشائه الدامية نفسها نشيدا للتضحية والفداء في سبيل الديمقراطية ومقاومة الفاشية.

مرجعية لا يشق لها غبار للموسيقى الملتزمة الأميركية اللاتينية.

وفي التراث الفني المفعم بتعبيرات الاحتجاج الشعبية، ولد فيكتور هارا في 28 سبتمبر 1932. موسيقار ومغن ومخرج مسرحي، نجل مانويل هارا، مزارع بالأجرة، وأماندا مارتينيز،التي كات غسالة وعازفة غيتار ومغنية وهي التي أورثته شغفه بالموسيقي الذي يتميز بقوة الأداء وبالطابع الفلوكلوري الذي أبدعت فيه، والتي كونت نفسها بسبب علاقة فيكتور الفظة مع أبيه في ظل اندفاع وحصافة ميلها إلى الموسيقى.

في عام 1944، انتقل من مسقط رأسه في قريته إلى العاصمة سانتياغو. وهناك درس المحاسبة ومسك الدفاتر وتقدم إلى الامتحان محطما بسبب وفاة أمه وأدى الخدمة العسكرية الالزامية. في عام 1953، أصبح عضوا في جوقة جامعة تشيلي ليهتم في وقت لاحق بالتمثيل والاخراج في المدرسة المسرحية التابعة للجامعة ذاتها. وبفضل حركة النقد المتخصص والعديد من الجوائز وجمهور عشقه، سرعان ما تحول فيكتور إلى شخصية بارزة في المشهد التشيلي، موطدا نفسه ومكانته خلال ستينات القرن الماضي كأحد أهم المخرجين للمسرح التشيلي في عصره.

خلال الحقبة نفسها وواعيا لفكرة أن الموسيقى هي مسرح وجوده الاجتماعي، ينضم إلى فرقة «كانكومين» ويصبح المخرج الفني لمجموعة «كويلابايون»، ويتعاون مع إنتي غياماني ويشكل جزءا من فرقة «بينيا دي لوس بارا» الشهيرة، علما بأنهم جميعا كانوا يستنيرون بالمضمون الثقافي والسياسي لنشاطهم الفني.

عازف ومغن منفرد وملحن، انتشرت أغانيه بسرعة منقطعة النظير على طول وعرض القارة وأصبح لديه مجموعة من الاسطوانات المعتبرة.

على أية حال، فإن أفضل طريقة لتذكر فيكتور هارا في هذه اللحظة تكمن في أن يقف محبوه ومريدوه على النظرة الجديدة التي تكنها العدالة التشيلية لهذا العملاق الفني والوطني والانساني وذلك لجهة الدور الذي ستلعبه في عدم ترك الجريمة تمر دون معاقبة مرتكبيها.

لتذكر فيكتور هارا ربما تجدر العودة إلى ما كتبه له أنخيل بارا عام 1987 من باريس، حين قال: «عزيزي فيكتور.. أتذكر تماما وضوحك وطمأنينتك في خطواتك ومغامراتك وأقدارك.. اتذكر أن الكمان( كمان بارا) كان يقول لي: تعلم، تعلم. آمل اني قد تعلمت شيئا فعلا.

التواضع والبطولة، على سبيل المثال، لا يباعان ولا يشتريان، أن الصداقة هي الحب في أبهى حلل ارتقائه، أن الناس أحرارا فقط حين يغنون، أويسترخون أو يعملون، وهم يمررون الكرة يوم الأحد أو يشربون نبيذهم في المساءات الهادئة، وهم يغيرون حفاضات أطفالهم، يفصلون القراص عن الزهور، عندما يصلون بصمت لأنهم يؤمنون ولأنهم أوفياء لشعبهم إلى أبد الآبدين مثلك..

كذلك أود أن أقول لك قبل أن نفترق ونودع بعضنا أن باريس رائعة الجمال هذا الشتاء، إن وطني أكظمه بدمعة، إني سآتي لزيارتك في الربيع، أن تسلم لي على والدي حين تستطيع، أنه لدي ذاكرة نارية وأن أي جريمة أرتكبت لابد وأن يقف مرتكبها أمام العدالة دون تأخير، أن الكرامة أمر جوهري للكائن البشري، أن السنة التي بدأت للتو ستكون ملأى بالانفعالات والآمال والأعمال التي تخصكم جميعا، فيكتور هارا، أن يزرعوا قمحا وسلاما في أريافنا».

كل تشيلي بشيوخها برجالها بنسائها بصبيانها وصباياها ولا سيما أطفالها يحتفظون بهذه القامة العالية في أعز ركن من وجداناتهم وأفئدتهم وتفكيرهم، الجميع هناك في الوطن، في اميركا الأصيلة يبتهجون لحضور وجه هارا بين ظهرانيهم حتى بعد رحيله، وها هي الحكومة التشيلية ممثلة برئيسة البلاد تمنح الجنسية التشيلية إمتنانا لأرملة المغني الشهيد جوان هارا في قصر «مينودا» الرئاسي، الذي سقط فيه شهيدا كذلك كل من سلفادور الليندي ومعه بابلو نيرودا دفاعا عن قضية فيكتور هارا ذاتها، حيث قامت الرئيسة ميشيلي باشليليه بتوقيع المرسوم الخاص بذلك في احتفال بهيج ومهيب كان للموسيقى حصة الأسد فيه.

جوان هارا قالت في ذلك الحفل إنه «سيكون قليلا القول إني ممتنة لهذا الشرف الذي منحتموني إياه. أشعر بالفخر والامتنان. فلقد كانت تشيلي موطني لخمسة وخمسين عاما. حتى عندما تعين علي الغياب عشر سنوات عقب الانقلاب العسكري، بقي قلبي وفكري هنا وعملي اليومي ما كان إلا وليد مشاعري القوية التي أكنها للشعب التشيلي».

جوان مدت فن رقص الباليه في تشيلي بمزيد من العنفوان والجمال وتمكنت مع زملائها من تشكيل فرقة متعددة الجنسيات واللغات ومن ترك المسارح المخملية الكبرى والنزول للرقص في الشوارع حيث الناس البسطاء والنبض أقوى وأحلى.

«التفي في حناني،دعي الحياة تطير»، هكذا كان يغني فيكتور لحبيبته عندما كانا يرقصان في شوارع سانتياغو عندما تقاطعت حياتهما، تقول جوان: «هكذا كان يغني فيكتور لي عندما التقت حياتنا. كانت بداية أسعد فترة في حياتي. رحت أتعرف على تشيلي من جواتها، بدأت أتعرف أكثر على الشعب التشيلي، على الكثير من الأشخاص وعلى أوضاع هي حاضرة في أغاني فيكتور وولدت من حياته وتجاربه وقناعاته الخاصة. وأنا كنت سعيدة جدا إلى جانب فيكتور وهو يبدع أغانيه».

وتؤكد جوان أنهما عاشا حياة مشتركة مفعمة بالحب والالتزام والابداع. فيكتور في المسرح والغناء والموسيقة وأنا في الرقص. كانت الفترة التي ولدت فيها ابنتنا الغالية أماندا.

كانت حقبة مليئة بالفرح والأمل. كان فيكتور يقول دوما: «أنا رجل سعيد في هذه اللحظة»، سعادة كان يستمدها من شعوره بطعم العمل وكده، سعيد لأنه حين يضع القلب والحق والإرادة في خدمة الشعب، يشعر بالسعادة تولد من جديد، على حد تعبير الفنانة الانجليزية، التي تشعر أن حياتها الأولى انتهت مع رحيل زوجها، لكنها ظلت ترفض في الوقت نفسه ولسنوات طويلة الحديث عن أهوال «ستاد تشيلي» .

لا عن مقتل فيكتور كي تحتفظ، على ما يبدو بذكرياتها الجميلة معه، رغم مشاعر الأسى التي ظلت حية على مر السنين خاصة عندما تتذكر لحظة التعرف على جثة فيكتور في المشرحة ولحظات الفراق والفقد التي تلت ذلك ولا تزال نابضة حتى يومنا هذا ليس في صدر جوان ووجدانها فحسب وإنما في صدر ووجدان التشيلي كلها ومعها أميركا اللاتينية والعالم أجمع. على الرغم من ضخامة الخسارة واتساع مساحة الحزن في قلب جوان، إلا انها تؤكد أنها قادرة على الصفح .

باسل أبو حمدة