وجوه مصر الفرعونية هي وجوه ناعمة لملوك ونبلاء وأخرى كادحة لعاملين مجدين وأصحاب مسؤوليات جسام، رجال يتمتعون بالصحة والجسد المتين ونساء فاتنات الجمال، شخصيات عادية ووجوه رسمية وهنالك الوجوه الباذخة وأخرى تنضح بالزهد الصوفي وعمق التعبير الإنساني الفياض، وجوه صارت مألوفة كتيمة لعصرها المنقرض.

على الرغم من كونها تشكل رؤى الفنان المصري منذ العصر البدائي وحتى الآن، إلا أنها تكاد أن تكون تأريخا توثيقيا صادقا لتقاطيع وملامح الوجه المصري بل وتكوينه الجسدي وما دخلها من تأثيرات نتيجة انصهار وذوبان الكثير من الأجناس في الدم المصري، جاءت إلى مصر لفترات متفاوتة واستقر الكثير من أفرادها ومن ثم أصبحوا مصريين كالفرس والبطالمة والرومان والبيزنطيين والعرب ثم الفرنسيين والإنجليز، سواء بالهجرة أو الاستعمار . ومن جانب آخر تشكل عرضا بانوراميا لفن البورتريه في التراث المصري بمراحله المتعاقبة والروافد المغذية لتياره الإبداعي الرئيسي مما ساعد على تكوين الشخصية المصرية في هذا المجال مجال رسم الوجوه والتعبير عن الشخصية والمشاعر وانعكاسات البيئة والعقائد على تلك الشخصيات التي رسمها الفنان المصري عبر العصور.

إن أفضل من تطرق إلى هذا الموضوع المهم بشكل علمي و مدروس هو كتاب «وجوه من مصر» لمؤلفيه مصطفى الرزاز ود.أحمد عبد الغني، وهذا الكتاب يعد بمثابة بطاقة تعريف بالشخصية المصرية التي يزيد عمرها عن سبعة آلاف سنة عبر خلالها وجوه لملوك ونبلاء وكهنة وأبطال عسكريين وفنانين وبناة ووجوه لأبناء الطبقات الشعبية معرفا بتلك الوجوه التي تتصف بالاحترام إضافة إلى عبقرية الفنان المصري في التنوع والتجديد وقوة التعبير والابتكار وصياغة التقاليد والمعايير والتمرد عليها أحيانا.

يقدم بانوراما لرؤية الفنان المصري وتعبيره عن الوجه الإنساني عبر تاريخ طويل يمتد من العصر البدائي وحضارات نقاده الأولى والثانية في فترات ما قبل الاسر الكبيرة مرورا بعصور الأسر والدولة المصرية القديمة ومصر الهيلينستية والرومانية ووجوه الفيوم التي تمثل تحولا تاريخيا في هذا النوع من التصوير.

والحضارة القبطية والإسلامية التي تزخر بإبداعات تصوير الوجه الإنساني على الجدران بالفريسك والتمبرا، وعلى الأواني الخزفية والزجاجية و الأيقوانات والمنمنمات وعلى المنسوجات المرسمة وفي أشكال النحت المجسم والبارز وتختتم البانوراما مشوارها الذي يمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة بمختارات من تصوير ونحت وخزف وجرافيك لفنانين مصريين يمثلون القرن العشرين.

يتضح من هذا العرض التوثيقي مدى الثراء والتنوع الإبداعي والتقني والجمالي، في أساليب الصياغة ومناهج التحريف الرمزي والتعبيري وترويض الخامات والتقنيات لترجمة المشاعر والمعاني المرتسمة على الوجوه، وجوه شامخة نبيلة تفصح عن سماحة إنسانية وأخرى واثقة متجهمة مكدودة بالمسؤوليات وأخرى ناعمة حالمة متأملة ساهمة في أفق غير منظور.

وفي كل الأحوال لا تتشنج الوجوه ولا يملكها الغضب والعنف، إنها طبيعة المصريين المتسامحة عبر تاريخهم المديد، وجوه فلاحية وأخرى صعيدية وثالثة من أبناء المدن والنبلاء الذين يظهر عليهم رغد العيش ورفاهية المكان، وجوه مصرية صميمة في ملامحها ونظراتها وأخرى يونانية ورومانية وآسيوية وإفريقية، أبناء البلاد والغزاة والأسرى، وجوه أمامية وأخرى جانبية لأطفال وشبان وشيوخ من الجنسين.

وجوه مصر الفرعونية هي وجوه ناعمة لملوك ونبلاء وأخرى كادحة لعاملين مجدين وأصحاب مسئوليات جسام، رجال يتمتعون بالصحة والجسد المتين ونساء فاتنات الجمال، شخصيات عادية ووجوه رسمية وهنالك الوجوه الباذخة وأخرى تنضح بالزهد الصوفي وعمق التعبير الإنساني الفياض، وجوه صارت مألوفة كتيمة للعصر الحديث كقناع الملك الشاب توت عنخ آمون الذهبي ووجه الفرعون الزاهد أخناتون، من فرط تداولها عبر وسائل الإعلام ووجوه أخرى يشعر المصريون بأن أشباهها مازالت تعيش بينهم إلى يومنا هذا .

عيون واثقة ومتنبهة وعيون حالمة وأخرى شاردة وشفاه تجمع بين الوقار والسماحة، وجوه ملكية شامخة سمحة في رصانة واثقة، وجوه بريئة وأخرى مجهدة مثقلة بالهموم، وجوه آمرة وأخرى صاغرة، وجوه منتصرة وأخرى كسيرة منكسة، وجوه تنبض بالحيوية وأخرى جنائزية تطل على المشاهد من العالم الآخر، رؤوس حليقة وأخرى ذات شعر مستعار مرسلة أو ترتدي الشعر أو الذقن المستعارين والتيجان الرمزية.

إن إجراء مقارنة مع وجوه العصر اليوناني والروماني، فالمراقب يجد أن بعضها يمثل نحتا ذا تقاليد إغريقية ورومانية خالصة لرجال أشداء أصحاء ونساء يتمتعن بالجمال المثالي للنموذج اليوناني وحكماء وفلاسفة ذوي شعر ولحى حلزونية، كل هذه الوجوه تمثل ملوكا ونبلاء وفلاسفة وعمال كادحين يبدو على وجوههم آثار العمل الشاق. ووجوه لتماثيل التناجرا بملامحها وأرديتها إلى جانب تصفيفة الشعر الإغريقية، من النحت الملون البارز المصنوع بالفخار والأكاسيد، وأعمال تأثرت بتقاليد الفن الأتروسكي المستمدة من النحت البارز.

فضلا عن مجموعة من الوجوه ترجع إلى الطراز الهيلينستي الذي يجمع بين ملامح يونانية ومصرية مع رموز وعلامات فرعونية أحيانا، يغلب على هذه الوجوه استخدام الرخام الفاتح اللون ومنها ما نحت أو حفر في الفخار أو الجرانيت أو الذهب الخالص.