المسألة باختصار يا أستاذ مكرم أنك لا تسأل عن جيرانك، الرسول الكريم أوصى بسابع جار وأنت شخص ذو سمعة طيبة.
جعلني أبتسم، ديباجة لابد أعدها من قبل، لكنه أرسل مع ابنه أنه يريد مقابلتي لأمر مهم، كان يمكن أن يطلب مقابلتي دون توضيح ما إذا كان الأمر مهما أم لا. أثارني وفكرت فيما يمكن أن ينشأ بيننا فجأة، نصحتني زوجتي أن أذهب.ـ أنا لا أعرفه.ـ أنا أعرف بهاء، إنه زميلي في المدرسة.قال ابني عن بهاء الذي جاء يطلب مقابلتي لأبيه.ـ وأنا قابلت زوجته في السوق مرة.قالت زوجتي، وتذكرت أنا أنى أركبته سيارتي منذ شهور، رأيته ماشيا يعرج ففتحت له الباب وشكا لي من آلام الروماتيزم.وأدركت أن خوفي من الذهاب لمقابلته إنما بسبب عادتي التي تلازمني في شهر رمضان، ينطلق مدفع الإفطار فأحب أن أقف في الشرفة أتطلع إلى الشوارع الخالية والبيوت الصامتة والظلام القادم فوق الدنيا باتساع، اليوم كنت أقف بالشرفة ساعة دق بهاء جرس الباب، لقد حدثت زوجتي مرة عن عادتي الغريبة في شهر رمضان، وذلك الحزن الذي يلازمني وقت الإفطار.
وقلت لها إنني قبل أن أتزوجها كنت أسكن في غرفة فوق سطح بيت قديم في زدير الملاكس، ينطلق مدفع الإفطار فأنزل أمشى في شارع مصر والسودان الطويل الخالي، وأجلس في أول مقهى، انتظر لحظة لا ينظر فيها الجرسون إلى وأترك الدمع يصعد إلى عيني ، قالت إن رمضان شهر يقترن بالألفة العائلية، وأن حالي هو حال كل الغرباء في كل البلاد، لكنى حتى الآن، وقد تزوجت وصار لي من الأطفال ثلاثة، غير قادر على التخلص من ذلك الحزن القديم الذي يلفني وأنا أرى الشوارع خالية والبيوت صامتة والظلام قادما فوق الدنيا باتساع وقلت:
ـ الحقيقة أنى أشعر بالخجل، رغم مرور عشرين سنة على وجودي بالقاهرة لازلت غير قادر على الحياة فيها.
ـ معك حق،إنها مدينة مفسدة للعلاقات بين الناس.
ـ أرجو إذن أن تتقبل اعتذاري.
ورأيته شاردا، وطال شروده حتى ظننته قد نسيني، كدت أذكره أنه أرسل لي ورقة مع ابنه الصغير بهاء وأنه طلب مقابلتي لأمر مهم لكنه سألني:
ـ هل رأيت ما فعلوه ساعة الإفطار أمس؟
ـ رأيت.
ـ أخذوا عددا كبيرا.
ـ أصبح هذا الأمر عاديا هذه الأيام.
ـ لقد أخذوهم من الجامع، ملؤوا ثلاث عربات بوكس ضخمة!
ـ لكنه أمر لا يثير القلق على أي حال.
أردت أن أغلق باب هذا الحديث، إذا كان هذا هو الأمر المهم فليعلم أنى لا فهم فيه.
ـ أنا أعتقد هذا أيضا، زوجتي للأسف تكاد تقتلني، لقد صرخت كثيرا وهم يأخذون الولد، ابننا عاطف، ألا تعرفه؟ أنه أكبر أبنائي..
اربكني، أنا بالطبع لا أعرف ابنه، وهو لا يضايقه إلا صراخ زوجته، ربما يريد أن يبدو متماسكا أمامي، وتذكرت قراري فلذت بالصمت، عليه أن ينهي المقابلة أو يفصح عن شيء آخر..
ـ على كل حال المسألة بسيطة، نحن في النهاية أخوة.
لم افهم ولم أرد.
ـ أنا يا أستاذ مكرم أريد أن أقابل صاحب العمارة ولا أستطيع.
ـ أي عمارة؟
ـ العمارة التي تسكن فيها، أنا بيتي دور واحد كما ترى.
ـ تقصد المعلم سيد؟
ـ بالضبط.
ـ أنا لا أقابله أبدا رغم أنه يسكن في الشقة المجاورة لشقتي، أنه يخرج من الخامسة صباحا ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، وزوجته تقول ذلك دائما لزوجتي.
ـ والحل؟!
ـ تستطيع أن تقابله في عمله.
ـ هل تعرف مكانه؟
ـ للأسف لا، لكن يمكن أن تسال زوجتي زوجته إذا أردت، لكن ما دخلي أنا في الموضوع؟
ـ سوف أشرح لك، مسألة بسيطة، لكن قد تكلفنا الكثير فيما بعد، لابد أنك تعرف أن بيتي هذا ملكي بنيته من جهدي وعرقي طوال عمري، وأنا لا يمكن أن أسمح لأحد أن يتسبب في هدمه.
ـ هذا أمر طبيعي جدا
ـ إذن لابد أن أقابل المعلم سيد. ولأنك تسكن في الشقة المجاورة له عليك ان تتدخل لتنهي ما يحدث فورا.
ضايقتني لهجته لكن وجدت أنه من اللائق أن أتجمل بالصبر.
قلت:
ـ صدقني أنا لا أفهم المسألة حتى الآن.
ـ هذه هي المشكلة، لا أحد يريد أن يفهم.
ـ حضرتك لم توضح لي شيئا.
ـ أنا.. أنا لم أوضح ؟ اشرب الشاي.
كانت ابنته الصغيرة قد دخلت ووضعت أمامي الكوب وخرجت دون أن أشعر.
أمسكت بالكوب وأنا أحاول ألا أنظر إلى عينيه.
ـ ألا تعرف يا أستاذ مكرم أن مياه المجارى تتسرب من أسفل العمارة إلى بيتي؟
ـ بالطبع لا أعرف، أنا أسكن في الدور الرابع.
ـ مياه المجارى يمكن أن تأكل الأساسات.
ـ إلى هذا الحد؟
ـ وأكثر، وأنا أستطيع أن أمنعها من التسرب إلى بيتي لكنها ستتجمع أسفل عمارتكم.
فكرت أن أنهي الموقف بسرعة، قلت:
ـ إذن سأبذل جهدي أن أقابل المعلم سيد الليلة.
ـ لو تجمعت المياه تحت العمارة ستنهار، وستنهار فوق بيتي.
ـ لن يحدث شئ من هذا بإذن الله.
ـ وإذا تركتها تتسرب إلى بيتي ستهدمه أيضا.
ـ إنها مسالة معقدة فعلا ولابد أن تنتهي فورا.
قلت ذلك وأنا أهم بالوقوف لكنه صرخ فجلست:
ـ هذه مسؤولية يا أستاذ..أنت أيضا سوف تضار إذا سقطت العمارة، ستجد نفسك في الشارع، أم لديك شقة أخرى؟
ـ أنا ؟؟ أبدا..
وبدأت ارتبك، وكدت أرتجف ولا أعرف لماذا قلت له أن يهدأ وأن المجارى طافحة في البلد كلها، لقد انفجر كأسد مجنون.
ـ البلد كلها ستنهار، أنت رجل مثقف، وتدرك ذلك أكثر مني، ألا ترى ذلك؟
وبدأت أسمع لغطا وحركة في حجرة قريبة، وأدركت ان السكر في الشاي أكثر مما يجب.. تركت كوب الشاي.
ـ فعلا إنها تنهار .. معك حق يا أستاذ..
ـ اسمي محمد ذهني يا سيد مكرم، نسيت اسمي مع إني أرسلت إليك الورقة منذ دقائق، وأنا لم أنس اسمك وركبت معك السيارة منذ شهور.
ولم يكن مفاجئا لي اتساع عينيه شيئا فشيئا ولا جحوظهما الآن، ولا الشرر الذي يكاد يطير منهما، لكن الذي فاجأني بحق كان وجهه، صار يتغير بشكل غريب، لم أميز ما إذا كان ينبسط أو يتلوى أو يحدث له الأمران معا.
ـ الحقيقة إني أقدر موقفك تماما يا أستاذ ذهني، ليس من المعقول أن يتسبب أحد في هدم بيت جميل مثل بيتك بنيته حضرتك من تعبك وكفاحك، وأنا أعدك ألا أعطى الفرصة لأولئك الطماعين من أصحاب العمارات الذين يتركونها تقع على سكانها.
وفكرت أن عبارة كهذه كفيلة أن تنهي الموقف كله، لكنه كان قد وقف وراح يصرخ ويلوح بذراعه.
ـ اسمع، لا داعي لهذا الكلام، أنت مسؤول مع صاحب العمارة، ثم ما الذي يجعلك تسكن في عمارة آيلة للسقوط..هه غفلة أم غباء * غباء ولا أقل.
رأيته ضخما يكاد يسد الحجرة الصغيرة، صرت عاجزا عن الكلام. فكرت ألا أقف، خشيت أن يهاجمني وأنا جالس.. وقفت.
ـ أرجوك أن تهدأ يا أستاذ ذهني، لقد أهنتني لكن سأنسى الإهانة وسأساعدك كثيرا.
ـ أنت كاذب وصاحب العمارة كاذب.
وفى اللحظة التي سمعت فيها وقع أقدام تندفع نحونا دفعني بقوة، فوقعت على المقعد الخلفي، ورأيت امرأة بدينة تندفع نحوه تلقى بنفسها عليه، فسقط على مقعد خلفه وتسقط هي فوقه، وامتلأت الغرفة بأولاد وبنات مذعورين أحسست بواحدة منهم تسحبني من ذراعي بسرعة تخرجني، وأنا أرى وجهه من تحت المرأة البدينة، وقد جحظت فيه العينان وغطى الزبد الشفتين، وبينما كانت الفتاة تدفعني من ظهري في اتجاه الباب المفضي إلى الشارع كنت أسمعه يصرخ طالبا المسدس ليطلق على النار.
إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد من مواليد الإسكندرية. اسمه بالكامل إبراهيم عبد القوي عبد المجيد خليل، ولد في 2 ديسمبر سنة 1946م. حصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية سنة 1973م. وفي السنة نفسها رحل إلى القاهرة، ليعمل في وزارة الثقافة. تولى الكثير من المناصب الثقافية، كان آخرها رئاسة تحرير سلسلة ( كتابات جديدة)، لمدة خمس سنوات.
وأصدر عشر روايات، منها: (المسافات، الصياد واليمام، ليلة العشق والدم، البلدة الأخرى، بيت الياسمين، لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، برج العذراء، وعتبات البهجة). كذلك نشرت له خمس مجموعات قصصية (الشجر والعصافير، إغلاق النوافذ، فضاءات، سفن قديمة، وليلة انجينا). ترجمت (البلدة الأخرى) إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. كما ترجمت (لا أحد ينام في الإسكندرية) إلى الإنجليزية والفرنسية، و(بيت الياسمين) إلى الفرنسية.
حصل على جائزة نجيب محفوظ في الرواية، من الجامعة الأميركية بالقاهرة سنة 1996م عن روايته البلدة الأخرى. واختيرت روايته لا أحد ينام في الإسكندرية كأحسن رواية لسنة 1996م في القاهرة.

