صدرت للكاتب الياباني المعروف هاروكي موراكامي رواية جديدة تحت عنوان «1كيو84» وتقع في أكثر من 1000 صفحة وهي روايته الأولى خلال 5 سنوات، وحتى الساعة هي متاحة في المكتبات اليابانية فقط بطبعة مكونة من أكثر 500 ألف نسخة. مؤلفها، الذي يعد أشهر كتاب اليابان وأكثرهم نجاحاً وانتشاراً في العالم، قال إن الأمر يتعلق برواته الأكثر طموحاً على الإطلاق.
الإقبال الكبير الذي حظيت به «1كيو84» في اليابان، جاء ليؤكد التوقعات التي سبقت عملية صدور هذه الرواية الضخمة، بعد أن أصبح في حكم المسلم به أنها كانت في طريقها إلى تحقيق نجاح كبير في جميع أرجاء اليابان خاصة وأن دار «شينشوشا» للنشر قد أعدت 580 ألف نسخة منها. الغموض الذي يلف هذا العمل الأدبي الجديد لمؤلف «طوكيو بلوز» و«كافكا على الشاطئ»، الذي لم يرشح الكثير من المعلومات عنه قبل الصدور سوى عنوانه، الذي يلفظ باللغة اليابانية تماماً كما يلفظ الرقم «1984»، والذي تتطور أحداثه في طوكيو نفسها- ذلك الغموض يبدو أنه جاء ليشكل جزءاً من التوقعات في اليابان، حيث لا يعتبر الكاتب مؤثراً كما في خارج حدود هذا البلد الآسيوي.
يعتبر موراكامي، المرشح الدائم لجائزة نوبل للآداب الذي ناهز عمره 60 عاماً والمقيم في الولايات المتحدة، ظاهرة أدبية توقظ بذاتها مشاعر الكثيرين في بلاده وخارجها، فضلاً عن أن أعماله تتمتع بلمسة عبقرية وسريالية وملغزة وساخرة في آن.
بيد أن ما لا يمكن إنكاره هو أن أسلوبه، الذي يخلط بصورة دائمة، تقريباً، الواقعي بالخيالي، معروف دائماً أو يمكن التعرف عليه على أقل تقدير وأن هذا العاشق للموسيقى والرياضة والجعة أصبح في يومنا هذا الكاتب الياباني الأكثر بروزاً على المستوى العالمي، بعد أن ترجمت رواته «طوكيو بلوز»، على سبيل المثال، إلى 36 لغة وبيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة في اليابان بينما يتم في الآونة الأخيرة تصوير نسختها أو توليفتها السينمائية، في حين يرى بعض النقاد أن الأمر يتعلق برواية موراكامي الأكثر قابلية للفهم والأكثر واقعية.
أما في حالة «1كيو84»، فإن دار النشر اليابانية المذكورة لا تعرف متى سيصار إلى ترجمتها إلى لغات أخرى، كما أنها لم ترغب باستباق الحديث عن مضمون حبكتها، لكن مدونات أدبية لقرائه اليابانيين استبقت الحدث وتبرعت ببعض التفاصيل، التي تؤكد أن الرواية تتعلق بقصة امرأة قاتلة وأستاذ، يبلغ عمر كليهما نحو 30 عاماً وحياتهما تتقاطعان في طوكيو عام 1984، السنة المختارة من قبل موراكامي تكريماً لجورج أرويل ومحاكاة لرواية الأخير التي تحمل العنوان نفسه.
الكاتب الياباني كشف النقاب، من جانبه، في إحدى المقابلات الشحيحة التي أجريت معه، مؤخراً، عن أن «1كيو84» تعالج مسألة الخوف وأنها عمله الأكثر طموحاً في آن، إذ يقول «إنها روايتي الأكبر حجماً وآمل أن تكون مهمة في حياتي كما في حياة القراء كذلك»، مضيفاً انه يريد من خلال هذا العمل «النظر إلى الماضي، لكن من دون التوقف عن النظر إلى المستقبل».
وفي المزيد من التفصيل يقول موراكامي في موقع آخر إن «أرويل كتب روايته 1984 ناظراً إلى المستقبل وأنا بروايتي هذه أريد عمل العكس، أريد النظر إلى الماضي، لكن من دون التوقف عن النظر إلى المستقبل» أيضاً.
قبل سنة خلت، كان موراكامي قد أوضح لمعجبيه اليابانيين، عن طريق وكالة «كيودو» المحلية، أن لديه شعوراً داخلياً بأنها ستكون «رواية جيدة وعمل مهم بالنسبة لي».
بصدور «1كيو84» يكون قد صدر لموراكامي ما مجموعه 12 رواية طويلة، بالإضافة إلى العديد من القصص والأبحاث، أحدها صدر حديثاً وهو مكرس لأحد النشاطات التي يمارسها يومياً: الجري أما عنوان الكتاب البحثي فهو «ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن الجري»، يضاف إلى ذلك أن موراكامي من هواة السباحة والتنس كذلك.
هذه هي روايته الأولى منذ أن صدر له عام 2004 «بعد الظلام» (آفتر دارك)، لكن عملياً، فإن الأمر يتعلق بأول رواية طويلة له خلال سبع سنوات، وذلك منذ «كافكا على الشاطئ»، التي نشرها باللغة اليابانية في مجلدين تماماً مثلما يحدث الآن مع «1كيو84» وذلك بسبب طولهما.
مهما حدث وبكل الأحوال، فإن ما لا شك فيه على الإطلاق هو أن هذا العمل الأدبي الجديد سيحظى كالعادة بنجاح تجاري مضمون ذلك أن دار «شيشوشا» للنشر قد أعدت بالفعل ثلاث طبعات منه، لكن سيوضع الآن قيد التداول 580 ألف نسخة من الرواية، التي تقع بالضبط في 1055 صفحة، بينها 300 ألف للجزء الأول و280 ألفاً للجزء الثاني، في حين تطلق دار النشر في اللحظة الأولى 280 ألف نسخة فقط.
مبيعات الكتاب بدأت في نهاية شهر مايو الماضي بشكل رسمي في كافة أنحاء اليابان وكذلك عبر الانترنت على الرغم من أن الرواية الجديدة لهوراكي موراكامي وصلت أولاً إلى مكتبات طوكيو وأوساكا، المدينتان الرئيسيتان في اليابان، حيث كان الإقبال عليها منقطع النظير كما هي العادة.
بيد أن لمسة من الحزن كانت تطغى على وجوه جمهور قرائه في اليابان، وذلك يعود إلى استبعاد إمكانية حضور المؤلف لبعض فعاليات الترويج لروايته الطموحة، إذ ذكرت دار النشر اليابانية المذكورة أن تلك الإمكانية معدومة.
«الحلم في وضح النهار»، على هذا النحو يعرف موراكامي الكتابة، ذلك النشاط الذي جعل منه ظاهرة أدبية عالمية، أما فيما يتعلق بعنوان روايته الجديدة، فإنه يوضح أنه ينطوي على إشارة قوية إلى جورج أوريل.
على الرغم من مظاهر البهجة التي يستثيرها موراكامي، الذي يعد حلقة وصل لا غنى عنها بالنسبة للذين يريدون الترحال عبر الدروب التي يتقاطع فيها الخيال مع الواقع، لدى جمهور عريض من القراء والنقاد على حد سواء، إلا أنه يستثير مشاعر الخوف في بلاده، على أقل تقدير، حيث يتهمه البعض بأنه يريد «تدمير التقليد الياباني»، أو أنه يريد وضع كاتب كلاسيكي مقدس هو يوكيو ميشيما في دائرة الشك، لأنه لا يروق له.
«أنا لا أريد التقاط صورة للمجتمع الياباني. أنا اكتب أشيائي الشخصية، أكتب عما أعرفه، عن الموسيقى، عن الطعام، عن الجعة، التي أعرفها، عن الأشخاص الذين يشبهونني»، على حد تعبير المؤلف الذي تعد العزلة سمة ملازمة لغالبية شخصياته، إن لم نقل انها سمتها الأساسية.
«تروق لي الكتابة وسرد قصص جيدة وهذا هو المفتاح، وأنا أؤمن بالنجاح، لأن للحجج والبراهين أمكنة مشتركة. عندما أكتب لا أعرف ما الذي سيحدث وأنتظر ما الذي سيجري تماماً مثلما يفعل القراء، الذين لا يتحرقون للانتقال إلى الصفحة التالية، لكن من أجل القيام بذلك، فأنا أغلق على نفسي لمدة خمس أو ست ساعات في غرفة وحيداً معزولاً عن العالم»، يروي مؤلف «كافكا على الشاطئ».
كما يؤكد أن لديه «مكان سري، عميق ومظلم، حيث لا يميز الواقعي عن الخيالي. ذلك المكان فيه بوابة ثقيلة يتعين عليّ فتحها وعندما يحدث هذا، أدخل وأتمكن من رؤية عالم يمكن أن يحدث فيه من كل شيء. البعض يقول إني سريالي، لكن الأمر ليس كذلك، فكل شيء أكثر واقعية بكثير».
أحد المفاصل التي يرتكز عليها موراكامي في عمله الأدبي يكمن فيما يتمتع به من سهولة في الحديث عن الجزء الأكثر عتمة من الكائن البشري، عما هو أكثر خصوصية وحميمية بعيداً عن الأحكام المسبقة، لكنه يؤكد أنه يريد «إخراج الجزء الأكثر لا شعورياً وإغفالاً، المنطقة الأقل رؤية».
على الرغم من أن المؤلف لديه كتاب ذو طابع أكثر واقعية كذلك وهو «طوكيو بلوز»، الذي بيع منه في بلاده فقط أكثر من مليوني نسخة، إلا أنه يقر ويقول «لا يروق لي كثيراً، لكنه يعكس واقعية لن أكررها».
معروف عن موراكامي أنه موسيقي من الدرجة الأولى وأنه تولى خلال سنين مسؤولية ناد للـ «جاز»، كما أنه مترجم ومدرس ويعشق الفنون التشكيلية عموماً وفي مقدمها أعمال بابلو بيكاسو، الذي زار متحفه في مدينة برشلونة، مؤخراً، والذي يقول فيه: «بيكاسو أحد الذين يخصونني. كان يجدد نفسه كل عشر سنوات واهتم بالتجديد فقط».
موراكامي في سطور
ولد هاروكي موراكامي في مدينة كوبي عام 1949 ودرس في طوكيو، وافتتح بعد أن أنهى دراسته الجامعية نادياً لموسيقى الجاز تحت اسم «بيتر كات»، ولم يتركه إلا بعد نجاحه الأدبي وتفرغه للكتابة.
أصدر أول عمل روائي له بعنوان «اسمع زفيف الريح» في عام 1979، وتوالت الحين أعماله، التي بلغت 12 رواية أبرزها «الغابة النرويجية» و«أرقص، أرقص، أرقص» و«مطاردة خروف وحشي» و«كافكا على الشاطئ» و«بعد الغروب» وبلغ مجمل أعماله 30 كتاباً، وترجمت أعماله إلى 38 لغة.
فاز بعدد كبير من الجوائز العالمية من بينها جائزة «فرانز كافكا»، وقام بالتدريس في جامعة برنستون ومعهد ماساشوسيتس للتقنية بالولايات المتحدة. تثير أعماله جدلاً كبيراً في اليابان وخارجها، ويذهب بعض النقاد اليابانيين إلى اعتبار أن أعماله تخاطب القارئ الأجنبي أكثر مما تتوجه إلى الجمهور الياباني، وأنها تجارية وذات نزعة استهلاكية على حساب الأدب الياباني الأصيل.
باسل أبو حمدة

