حققت أعمال الكاتبة سحر الموجي القصصية والروائية خصوصية وفرادة على مستوى الأسلوب السردي والرؤية والموضوع تكشفت من عمل لآخر، منذ أن بدأت سحر الموجي دخول عالم الكتابة وهي حريصة على أن توسع أفق رؤيتها لعالمها الداخلي المهمومة به جدا وعالمها الخارجي الأكثر هما، وقد نجحت أن تزاوج بين العالمين وتكشف عمق المأساة التي يعيشها الإنسان في ظل تقاليد وعادات وأوهام قاتلة، عن هذه الأجواء التي تكتب في ظلها الكاتبة سحر الموجي كان معها هذا الحوار التالي نصه:

كيف كانت رحلتك الأخيرة لليونان لتسلم جائزة كفافيس؟

كانت رحلة رائعة بحق. هذه أول زياراتي لليونان وقد سحرتني «كافالا» تماما. البحر والبدر والفندق القديم الذي يعود وقت بنائه إلى مئتي عام.. كل هذا كان أكثر من جميل بالنسبة لي. أضف إلى ذلك البشر الذين أتاحت لي الرحلة التعرف إليهم من مصريين ويونانيين.

ماذا كان شعورك حين أعلن فوزك بجائزة كفافيس؟

فرحة غامرة بحق. كان الأمر مفاجأة أيضا لأن «كفافيس» ليست من نوعية الجوائز التي يتقدم إليها الكاتب. كما أن شهرين فقط قد مرا من عمر نشر الرواية. كنت سعيدة بالطبع.

ماذا تمثل روايتك الأخيرة نون في مسيرتك الأدبية؟

أصغر أبنائي (آخر إصدار) وأكبر عالم رسمته حتى الآن، قلت في «ن» أشياء كنت قد خزنتها على مدار أعوام. تجارب وخبرات وقدر من المعرفة. استطعت أن أرصد إلى أي مدى أنا كـ «سحر» قد اختلفت عما كنت عليه منذ خمس أو ستة أعوام. أفرحني هذا التحول. في «ن» هناك خيوط تتكرر منذ أول مجموعة قصصية ولكن امتلاك الخيوط وغزلها ربما بقدر أكبر من النضج هو الفارق.

وما تعليلك لما حظيت به من احتفاء بعكس روايتك الأولى «دارية» وحتى مجموعاتك القصصية؟

يمكن بالمقارنة مع كتبي السابقة، ولكن لا يمكنني الادعاء بأن كتبي لم تستقبل بشكل جميل. لكن بالمقارنة مع رواية «ن» طبعا فقد حققت أكثر بكثير من الكتب التي سبقتها. لا أعرف السبب تحديدا.

ربما أفكر الآن معك أن عالم الرواية أكبر وأوسع ويحتضن نماذج إنسانية من الواضح أن الكثير ممن يقرؤونها قد تماسوا معها بدرجة أو بأخرى. وربما أيضا لأنها في النهاية ورغم كل قبح العالم «بسياسييه وحروبه والقدر العالي من الظلم فيه».

لماذا اخترت الآلهة حتحور راوية لك وما علاقتك بالحضارة الفرعونية؟

أن تحكي حتحور- إلهة العشق والرقص والغناء- حكاية 4 أبطال دائمي البحث عن العشق هو أمر بديهي. تدور بين هؤلاء الأبطال دوائر المحبة بلا قيود. حتحور تحكي الحكاية أيضا لتذكرنا بما كان فينا دوما وسيكون: قدرتنا على العشق وتجاوز الألم والانكسار والبدء دوما من نقطة البراءة الأولى.

الحضارة الفرعونية بالنسبة لي هي جذوري الأولى.. مخزون الحكمة الذي لم يقرأ بعد في ثقافتنا. ليس بالقدر الكافي. ولا أدعي أن «ن» قد قامت بذلك الإطلاق. ربما هي مجرد محاولة للاقتراب.

هذا الحضور للجنس في الرواية بدءا من الغلاف وانتهاء بهواجسه لدى بطلات النص يدفعنا لسؤالك عن مفهوم الجنس لديك؟

الجنس في أرقى أحواله تجربة روحية بامتياز. إنه حال التوحد بين روحين. إنه الاكتمال. الارتقاء إلى المقدس. التحام شطري الذرة وبالتالي الوصول إلى جوهر ما.

الجنس بهذا المعنى هو لحظة استثنائية داخل نسيج الحياة. لكنها في الحقيقة أكبر من لحظة بكثير. ولكن عودة إلى النصف الأول من سؤالك هل هواجس الجنس لدى بطلات الرواية لا تجد لها مرادفا في أحوال كل البشر! السؤال هو: هل هم استثناء من بين جموع البشر أم تعبير عنهم؟

ما رأيك في تناول الجنس لدى كتابات بنات جيلك؟

كل كاتبة تكتب من منطقة مختلفة وبلغة مختلفة. لقد عبرت كل منهن عن درجة وعيها وموقعها الخاص. لكنني أعتقد أن علينا جميعا ككاتبات ألا نغفل السؤال: ألا تزال الرقابة الداخلية تقتطع أجزاء من لحم النص. أم انه قد أخذ كامل حقه ليس فقط في منطقة الجنس ولكن في كل مناطق التابو لدينا.

وماذا عن رأيك أيضا في الكتاب الذين تناولوا قضية الجنس خاصة في روايات نجيب محفوظ وإدوار الخراط وغيرهما؟

أحب في كتابات الخراط حساسيتها، حتى لو لم يكن يتحدث في النص عن الجنس، إلا أن اللغة لديه تفوح بعناصر أنثوية. لغة الخراط فيها كل الحواس نشطة وحاضرة. نجيب محفوظ أعتقد أنه أكثر محافظة من الخراط لكن القارئ لا يستشعر في أعماله نقصانا وهذه عبقرية.

هل تعتقدين أن الهموم التي تبثينها أو تحملها أعمالك تمثل هموم المرأة المصرية؟

أعتقد ذلك، إن هموم المرأة المصرية لا تنحصر في إعالة أسرة أو في قضايا قومية. أنا أعتقد أن التعرف على ملامح الذات أيضا هي قضية جوهرية لنساء تربين في مجتمعات «حافظة مش فاهمة». مجتمعات اعتادت تمرير الموروث دون مساءلته أو مراجعته بشكل حقيقي وصادق. في منطقة استكشاف الذات بعيدا عن «الآخر» الذي يحتلها تتماس كتابتي مع كل امرأة مغتربة عن ذاتها أو كانت قد عاشت مثل هذه التجربة.

تجمعين بين الأدب والعمل الأكاديمي ما مدى تأثير كل منهما على الآخر؟

لا شك أن العمل الأكاديمي قد أفادني خاصة دراسة الأدب عموما والإنجليزي خاصة، تتفاعل المنطقتان بشكل إيجابي في أحيان كثيرة. نقطة الصراع تتلخص في انتزاع وقت كاف بعيدا عن العمل كي أكتب. هو صراع وقت إذن وليس صراع داخلي. أفادتني الأكاديميا أيضا في مراجعة نصوصي بعين محايدة بقدر الإمكان.

هل تعتقدين أن وراء حرية التعبير لديك هو انفتاحك على الآداب الغربية خاصة وأنك اشتغلت وتشتغلين على هذه الآداب؟

طبعا هذا عنصر شديد الأهمية. أن تتربى على الأدب الإنجليزي بعمالقته وأن تدرس أدواتهم عن قرب وتستكشف عوالمهم الثرية هو شيء رائع.

ولكن حرية التعبير أيضا (و هي منطقة مفتوحة لمزيد من كسب المساحات) تعود أيضا إلى بيت طفولتي وتأثير أبي. ولأن أبي رجل ليبرالي وعميق الثقافة فقد أفهمني أن حدود الحلم مفتوحة. وقد صدقته واستثمرت المساحات الهائلة التي في متناولي وكما قلت لك ما زلت أصارع من أجل الأكثر.

هل تعتقدين أن ازدهار الرواية المصرية عامة والذي يتمثل في صدور كم كبير من الأعمال الروائية لمختلف الأجيال علامة جيدة للحاضر والمستقبل؟

طبعا الرواية المصرية مزدهرة في السنوات الأخيرة وهي علامة صحية بالطبع. وهناك محاولات جدية وجديدة لرصد العالم. كل كاتب من موقعه. هذا رائع. كما أن الجيل الأكبر لا يزال يساهم في المشهد الروائي. وهذا جزء من ثراء المشهد.

هل ترين فعالية لحركة النقد في مواكبة الإبداع؟

ليس هناك تناسب بين الاثنين. الإبداع غزير كما ومختلف مستوى الكيف والنقد (لأسباب متعددة) عاجز عن مواكبة الكم والكيف. هناك أقلام نقدية محترمة. لكنها قليلة وكيف لهؤلاء أن يتابعوا كل النصوص وأين هي منابر النقد التي تكفي للنشر عن كل هذه الكتب.

الموجي في سطور

سحر الموجي كاتبة وروائية مصرية تعمل أستاذا للأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة حيث تدرس الشعر الأميركي والإنجليزي، كما تعمل مذيعة بالبرنامج الأوروبي بالإذاعة المصرية، نالت عام 2001 درجة الماجستير عن دراستها «الرحلة الصوفية للشاعر البريطاني تد هيوز»، ثم حصلت على درجة الدكتوراة عن دراستها المعنونة بـ «المسعى الصوفي في شعر هيلدا دوليتل».

محمد الحمامصي