هناك مجنون القمر الذي يعلق به من إدامة النظر كمجنون الماء الذي يبصر صورته فتشده إلى القاع، وهناك إلى الأعلى، والقمريون هم الذين لا يكفون عن التغني به، والانتشاء بحضوره، فالرغبة القمرية هي أن تستحيل قمراً، أن تتلاشى فيه.

لا أحد يستطيع البتة الإحاطة بالقمر، ومن يحيط به وهو في عليائه كما نتصوره، ونحن نرنو إليه؟ ثمة تناقض في الحديث عنه، إذا ما زعم أحدهم أنه يعرف كل شيء «كل شيء» عن القمر، دون أن يلتفت إلى نفسه، إلى موقعه منه: من يكون هو بالنسبة للقمر، ماذا يكون القمر بالنسبة إليه.

حتى لو كان هناك عالم فلكي نحرير، لما ادَّعى أن ما لديه من معلومات يمثّل حقيقة القمر. دعوا القمر الفلكي جانباً، لنكن في رحاب القمر الكوني الذي نعرف عنه الكثير وهو قليل قياساً إلى تاريخه، إلى ما يقال أو يتردَّد عنه وكيف تتنوع أوصافه وأساطيره وألقابه وهو الوحيد.

القمر الذي يسارع كل منا، وهو في حضن أمه، بمدّ يديه، ليلتقطه في عليائه الزرقاء، الصافية كما هو شعورنا، إحساسنا، يقطفه، يلاعبه، مرفقاً بابتسامة مسجَّلة في واعية الأم، ثمة، وفي اللحظة تلك، ثمة آلاف بل ملايين الأطفال يمدون أذرعهم/ أيديهم عالياً، والقمر يتهادى كما يلوح لنا في مشهده الكروي، حاثاً هؤلاء على اللحاق به ومحاولة الوصول إليه لتتشكل اللحظة الشاعرية: قمر يتحرك في رحاب السماء ونحن نتحرك في رحاب أحضان أمهاتنا، قمر ينطوي على سرِّه الذي لا يُسبَر. القمر... لغز ابتسامة السماء ومن تمكن من فك ابتسامة اللغز تلك؟

هناك مجنون القمر الذي يعلق به من إدامة النظر كمجنون الماء الذي يبصر صورته فتشده إلى القاع، وهناك إلى الأعلى، والقمريون هم الذين لا يكفون عن التغني به، والانتشاء بحضوره، فالرغبة القمرية هي أن تستحيل قمراً، أن تتلاشى فيه!

بين إصبع كل منا، والقمر ذاك إذ يبدو وكأنه يتحرك بحركة الإصبع تلك، إذ يبدو أنه يجثم على أعلى السلامية، خطوط اتصال لا تنقطع، الإصبع تحرك القمر، كما لو أنه «غوغل» فضائي، ليصطحبنا إلى داخله خارج بوتقتنا!

الشعراء مهووسو القمر، مواعدو الشعر الذي لم ينبثق بعد في دورته المنتظرة، العشاق بالجملة، الندامى والمسامرون طبعاً. لكم هي النسبة كبيرة تلك التي تجد ضالتها في المتعة والإمتاع في التحليق بأجسامها الأرضية خارج مدارها في التحرر من الذاكرة التي تشدها إلى المكان ثملة بنسيان لا يعوَّض في لقاء محبوب أو بروز فكرة، أو مؤانسة في وحدة يجد القمر سميره وهو مغمور بفضة القمر المذابة والمشعشعة. إنه السحر المبثوث!

تصوروا لو أن القمر كان قابلاً للامتلاك، كيف يُتصرَّف به، لو أنه كان أقرب مما هو عليه أو أبعد، لو أنه كان على ذات الهيئة كيف كان يُتعامَل معه؟ حيث كان القمر، حيث يكون، كنا ونكون نحن، وتستمر الإصبع القمرية!

نمتد مع أيدينا صوبه، نشرئب بأعناقنا لنزداد اقتراباً أو قرباً منه، نطيل النظر فيه، نغمض أعيننا لنلتقط الصورة الأجمل، الأقرب إلى مشاعرنا القمرية، القمر الذي يملّح الليالي، يركض على فروع الأشجار، يتوارى وراء الأكمات، يمشي على الماء متهادياً، يتوشح داخله في رقراق معدنه، يستجيب للرغبة، يقترب، يبتعد، يغمض عينيه إذ يغيب لبعض الوقت، يظهر تدريجياً، تلك منازله، منازله فينا، ولكل منزلة علاماتها، ونحن ننشد إليه، رغبة في التنويع، في أن تكون لنا منازل مشابهة، دون أن ننظر في وجهه الفعلي، فيما يكون عليه القمر حقيقةً.

نبقي القمر كما نريد له أن يكون، لنكون كما نريد أن نبقى ونحن نستمد منه الكثير مما ينتمي إليه، ونحن في انتظاره، في مراقبة أحواله، كما لو أن بوابة إلى السماء يكون عبره، اكتشاف السماء، وما هو أبعد من المرئي يكون من اهتماماته، أن الليل موعده في الظهور، فنتسابق لنقتنص أو لنقتبس منه بعضاً مما نتوق إليه، نريده..

القمر، قمرنا، جارنا الكوكبي القريب منا، في ابتسامته المعهودة ذاتها، وهي لما تسبر بعد، معلّمنا في الكثير مما يتقدم وجوهنا من تعابير وملامح، مصفاة شفافة لأفكارنا وخيالاتنا، استعارتنا للتودد إلى من نحب، العنوان الذي لا يضيّع أحداً ساعة البحث عنه، والمتاهة الكبرى لمن يحاول الصعود إليه، ليستمر.

كما هو ولنستمر في النظر إليه كما نقرأ عنه ونعود إليه ليكون لغزُ ابتسامته السماوية مقاماً لنا في اشتهاء الحياة حيث لا نعرف عنها إلا القليل، ويكون القليل هذا نفسه تابعاً للكثير من أهوائنا وميولنا الفنية والشعرية، لنكون ربما أقماراً لبعضنا بعضاً! أليس هذا ما نتلمسه في عيون أحبتنا، وفيما بيننا وبين أنفسنا، ونحن نرغب أن نكون في مقام القمر كما هو ملء ذائقتنا استجابة لهوى الراغب فينا؟

إنها مضاعفة اللغز، استمراره، وهو الوجه الأعمق للحياة، فكل اندفاعاتنا في الوجود، ترتبط بمحفّزات لا تعدو أن تكون أسراراً تتجدد كلما أمطنا اللثام عن بعض منها، وما القمر إلا هذا اللغز الحميم الذي نتوخاه ونحن نريد فكَّه، ويبقى اللغز عالقاً في فضائه كما العالق في أرجوحته السماوية كما نظل العالقين في أرجوحة القمر ما بقي قمرنا!

إبراهيم محمود