للذهب وجه آخر لا يعرف البريق ولا جماليات الصياغة ولا فكرة الثراء الأبدية التي ارتبطت بهذا المعدن النفيس الذي يخطف الأبصار.. ووراءه تلهث نساء العالم من أجل الجمال ومظاهر الجاه وتأمينهن من غدر الزمان.

وجه المعدن الثمين المعتم لا يعرفه سوى «فقراء الذهب» وهم عمال المناجم الذين يبدأون رحلتهم في استخراج عروق الذهب من صخور الجبال وخاصة جبال الأنديز ـ تبدأ الرحلة الخطرة عندما يعتزلون العالم ويغوصون في عمق 17 ألف قدم تحت سطح الأرض، وتحت وطأة إطلاق الرصاص في الهواء من ملاك المناجم حتى لا تطمع السواعد السوداء والوجوه التي طمست معالمها بتراب المناجم ـ لا تطمع في برادة الذهب.نعم رحلة محفوفة بالمخاطر، طبيعتها حكاية مأساوية لا يعرف مفرداتها سوى رجال «كأعجاز نخل خاوية»، يضعون في أفواههم أوراق نبات «الكوكا» الذي يستخرج منه «الكوكايين» حتى يحميهم من أي اضطرابات عصبية ناتجة عن مخاوفهم في عزلتهم تحت الأرض، وهؤلاء الرجال يرتلون الصلوات قبل نزوحهم في قلب الأرض، يناطحون الصخور لترويضها حتى تظهر عروق الذهب التي ترقد بين طياتها في خيلاء وكبرياء..

نعم فالذهب كالمرأة الجميلة الثرية لابد من العناء للوصول إليها وربما من هنا قالت إحدى الأساطير الإغريقية القديمة ان المرأة والذهب وجهان لعملة واحدة صعبة المنال... التحدي سماتها والترويض طريق للوصول إليهما.ولا يدفع بفقراء الذهب إلى المخاطر سوى أمل بسيط يتلخص في المزيد من المال البسيط الذي يدفع لهم خلال الخمس ساعات تحت الأرض، وتحت سيطرة ملاك المناجم خاصة تلك التي تتمركز تحت جبال الأنديز.. وهؤلاء البسطاء الفقراء اعتادوا ترويض الصخور، كما اعتادوا مغازلة عروق الذهب بمادة الزئبق التي تستخرج تلك العروق الذهبية من الصخور الصلبة، ولكن الثمن يدفعونه غالياً.. حياتهم غالباً هي الثمن، فاستنشاق الزئبق، «مميت مميت يا ولدي».

ومن أشهر عُمال المناجم في بيرو «جوان اياز» الذي ينتمي إلى أسلاف قبائل «الإنكا» في أميركا اللاتينية، فهو يعمل في مخاطر هذه المهنة منذ كان في الثالثة عشرة من عمره مع أبيه المحنك الذي يعرف دهاليز وخبايا المناجم، يوضح «جوان اياز» بأن الأمل هو الدافع الحقيقي لنا نحن «فقراء الذهب» فكل يوم لدينا أمل في زيادة رواتبنا. أو الحصول على عرق صغير من الذهب، ويقول ضاحكاً وضرس ذهب يلمع بين أسنانه المتربة دائماً من غبار المناجم «فزت يوماً» بعرق صغير من الذهب فصغته «تلبيسة» لضرس داخل فمي، وقد أوصيت أسرتي أن تأخذه بعد وفاتي لتعيش من ثمن بيعه بضعة أشهر.. حدوتة.. المأساة فيها البطل.. والعمال يضعون نهايتها ربما بوفاتهم تحت انهيار المناجم، أو من شدة التعب والفقر.. والاغتراب.

وإذا كان الذهب وبريقه تلهث وراءه نساء الأرض، فهناك دول وامبراطوريات قديماً وحديثاً، سطر لها التاريخ تفاصيل الحروب من أجل حفنة من الذهب ومزيد من السيطرة والسطوة والقوة والهيبة.. ولكن أحداً لم يتعظ من حكاية قارون التي أوردها القرآن الكريم عندما كانت مفاتيح خزائنه ينوء الرجال بحملها.. فما كان من الله سبحانه وتعالى إلا ان خسف به الأرض.

وإذا كان للإنسان إصراره المستمر على الثراء وامتلاك المزيد من المناجم التي يختبئ فيها الذهب، وتحتها تزهق الأرواح، فاللطبيعة دائماً الكلمة الأخيرة واللغة التي تخاطب بها كل من تسول له نفسه على مزيد من الثروة والبريق والسطوة، فخلال المئتي عام الماضية والتي كانت خلالها مناجم الإنديز والبيرو لها البطولة المطلقة في استخراج الذهب من باطن الأرض، إلا أنها حالياً بدأت تنضب، ولا يمتثل الذهب لحنكة عمال المناجم ولا أساليبهم «الزئبقية» التي تخضع الذهب في عملية استخراجه.

وفي مكان آخر من العالم ينادي الذهب المزيد من أصحاب السطوة ليخوضوا التجربة ذاتها ولكن من داخل القارة السوداء ـ إفريقيا ـ التي تتميز مناجمها بعروق الذهب المستطيلة وهي الأفضل على الإطلاق خاصة في تطويعها وصياغتها، والمنافس للقارة السوداء، بعض مناطق المناجم في كاليفورنيا والتي يظهر فيها الذهب كالكتل الصغيرة جداً في حجم ثمار الكرز وهي أقل جودة لأن تطويعها وصياغتها ليس بالسهل الممتنع، بالإضافة إلى إن بها العديد من التشققات، الأمر الذي يخفض قيمتها عند بيعها في شكل مجوهرات ذهبية.

وللذهب أيضاً حكاية فرعونية، فكان يشرف على عملية استخراج الذهب من منطقة الصحراء ودلتا النيل الحكماء والكهنة، وهو رمز على قيمة الذهب في الدنيا وفي القبور أيضاً، وأشهر قناع ذهبي في العالم كله على الإطلاق هو قناع الملك توت عنخ آمون الذي تختبئ أسراره تحت هذا القناع النادر في الصياغة والجمال والقوة ويرمز للقوة حتى بعد الموت وذلك في عرف وتقاليد القدماء المصريين.

ومفهوم الذهب لدى نسائهم يختلف عن المفهوم الحديث لدى نساء العالم، فالمرأة الفرعونية تستمد قوتها من قوة الذهب وسلطتها من صلابة المعدن وطول بقائه لامعاً مميزاً يصعب انكساره مثلما كانت الملكتان نفرتيتي وحتشبسوت وغيرهما من مشاهير نساء الفراعنة.

وعلى العريس الذي يتقدم لخطبة العروس في زمن قدماء المصريين، لابد من معرفة وزنها حتى يحضر معه ما يماثله من الذهب الخالص والذهب المطعم بالأحجار الكريمة التي من أشهرها عند الفراعنة الفيروز الذي يصد العين ويمنع الحسد، والزمرد الذي يجلب الحظ والياقوت الذي يجعل الزوج طوعاً لزوجته حسب الأعراف الفرعونية..

وربما من هنا ـ كان العريس في مصر بصفة خاصة عليه حتى الآن تقديم شبكة الخطيبة من أغلى أنواع الذهب والماس، وربما كان يتمنى يوماً ألا ينحدر عن أصول الفراعنة القدماء الذي حمل معه عبر العقود وطول السنين عبئاً مضنياً من الذهب والمجوهرات حتى يرضي أهل العروس، ويظل يقدم الذهب حتى آخر يوم في حياته خوفاً من «الكيد النسائي العظيم»!!

وماذا عن العروس الهندية ذات اللون البرونزي المصحوب بحمرة الوجنتين وسحر العيون والبشرة المخملية التي يفوح منها عطر العنبر؟

إنها حالة خاصة جداً، جمالاً وثراءً، فالعروس الهندية ترتدي يوم زفافها سارياً هندياً أصيلاً مطعماً بخيوط الذهب الخالص ومربعات ذهبية على امتداد الساري الذي يختزل فرحتها في ليلة العمر، وتجمل شعرها الأبنوسي الأسود في نعومة الحرير بضفيرة من الذهب الخاص، وقرط يغازل جمالها ويدخل معه في حوار جميل ورائع ومجموعة من «الأساور» الذهبية المعروفة باسم الذهب «البندقي» لأن بها حبات ذهبية في حجم البندق، ويبلغ مقدار الذهب الذي ترتديه العروس الهندية المدللة ما يزيد على عشرين رطلاً من الذهب المفرط اللمعان والبريق والرائع في صياغته.

ولكن ماذا يشكل الذهب لديها؟

الكثير.. فهو رمز الثروة والأناقة وتفرد المناسبة، وأيضاً يشكل رمز حب الزوج المطيع لها، وتقديراً منه لأسرتها، ولم تقتصر الحدوتة الهندية الجميلة مع الذهب عند هذه الحدود، وإنما على أسرة العروس أيضاً وضع كل ما قيمته ملء كرسي وثير ذهباً.

وقصة الذهب مع الفتاة الهندية تبدأ منذ يوم مولدها لابد ان يقدم لها وزنها ذهباً من الأهل والأصدقاء والجيران، وكل عام في عيد مولدها يقدم لها ذهب كثير بقدر المستطاع، حتى يوم زفافها، لتبدأ العروس بدورها القصة نفسها مع ابنتها الصغيرة.

وثلاثة أرباع صياغة الذهب في العالم تتمركز في الأسواق الهندية، وهي البلاد التي اشتهرت بأجود خامات الذهب وأفضل صياغة على الإطلاق، وولاية كيرلا الهندية يتمركز فيها نصف صياغ الهند المهرة في تطويع وصياغة الذهب، والمفارقة هنا، وهي تمتلئ بالمناطق الفقيرة ويخرج من هذه المناطق أكثر الصياغ حرفية وتخصصاً في هذه المهنة، ولولا صلابة هؤلاء الهنود ورسوخ معتقداتهم، لكان معظمهم مصاباً اليوم بما يعرف في مجال الفلسفة «باغتراب النفس».

وفي بومباي طرقات بأكملها تمتلئ بحوانيت صغيرة متخصصة في صياغة الذهب المطعم بالماس والبلاتين والأحجار الكريمة وأشهرها الشارع المسمى «ماهاتما غاندي روود» .

وهو مكان متخصص لبيع الذهب والماس للنخبة من الهنود الأثرياء، ولأثرياء العالم الذين يأتون من كل صوب لزيارة الهند وزيارة خاصة جداً لهذا الشارع ذي الجذب السياحي الهائل.

وتعتبر صناعة الذهب في الهند هي القاعدة العريضة للاقتصاد الهندي حسبما يقول ويوضح خبراء الاقتصاد في الهند والعالم.

وغالباً ما يعمل في هذه المهنة كبار السن الذين تعلموها من آبائهم وأجدادهم، وهم حالياً بصدد تعليمها للأجيال الجديدة التي لم تتمرد يوماً على تعليمها، فالذهب هو عماد الثروة الهندية، ورمز من رموز الجمال خاصة إذا ما قدم للعروس ذات السمرة الناعمة المصحوبة بحمرة الوجنتين والعيون الواسعة التي يزيدها جمالاً الكحل الهندي المعروف عالمياً.

إنها عبق حدوتة هندية تتأرجح فيما بين العادات والتقاليد والثراء والفقر واقتصاد قوي لبلاد لا تعرف المستحيل.

وماذا لو انتقلنا إلى الريف المصري؟

سنجد حدوتة مصرية أخرى تتخذ من الذهب بداية ونهاية.

فقد اعتاد الفلاح المصري أن يقدم لزوجته «بهانة»، وهو اسم شائع في الريف المصري ـ يقدم ـ لها يوم الزفاف «كرداناً» (عقد فلاحي) وقرطاً على شكل نصف هلال يعرف في مصر «بحلق المخرطة»، ومجموعة من الأساور الذهبية عيار 24 قيراطاً تعرف في مصر باسم الذهب البندقي، والطريف إن العريس عليه أيضاً ان يقدم لها العديد من الهدايا الذهبية على شكل نماذج ريفية مثل «وابور الجاز» و«مخرطة الملوخية».

وتعتبر القاهرة واحدة من أعرق عواصم العالم وأقدمها في صناعة الذهب، وكانت تتمركز صناعته وبيعه في خان الخليلي ومازالت حتى اليوم هناك، بالإضافة لمنطقة الصاغة الأصلية.

وقد انعكس تأثير الذهب في مصر في الفولكلور الشعبي الغنائي مثل أغنية عبدالمطلب الشهيرة «الدبلتين والإسورة» وأخرى له أيضاً «يا رايحين الغورية.. هاتوا لحبيبي هدية»، والمعروف إن منطقة الغورية معقل الصناعة وصياغة الذهب.

أما في السينما المصرية فهناك العديد من أسماء الأفلام تأخذ من الذهب اسماً لها، من أشهرها فيلم «ذهب» بطولة أنور وجدي وماجدة الصباحي والطفلة المعجزة فيروز.

أما طبقة البكوات والباشاوات في الزمن الجميل بمصر، فكان الباشا لابد وان يرتدي ساعة ذهبية أو يضعها في جيب «الصديري» مصحوبة بسلسلة من الذهب الخالص تعرف باسم «الكاتينا» وكان يكرسها رمزاً للأناقة وعراقة الأصل والسلطة والجاه.

وكانت ترتدي «بنت البلد» خلخالاً من الذهب الخالص وهي تتمايل دلعاً ورقة وأنوثة في زقاق المدق أو منطقة السكرية التي كتب عنها الروائي العالمي نجيب محفوظ بكل جدارة وحرفية، وكانت بنت البلد هذه تضع «الملاية اللف» والبرقع ذا القصبة الذهبية، ومن هنا كانت الأغنية المصرية المعروفة «رنة خلخالي» التي غنتها نادية لطفي في السينما المصرية عندما جسدت البطولة في ثلاثية نجب محفوظ.

فاللذهب جمال.. وسطوة.. وعمق في تاريخ الشعوب.

منى مدكور