«الرفاهية تجعل الإنسان رقيقا جدا، فيصعب إرضاؤه ويسهل إرباكه. وبالمحصلة تصبح سعادته عبئا عليه»، قول للروائي الاسكتلندي الشهير هنري مكنزي، الذي يعتبر من رموز اسكتلندا الذين كان لهم دور كبير في بناء قيم ومثل مجتمعهم في القرن الثامن عشر.

درس ماكنزي الذي ولد في أغسطس 1745 المحاماة وعمل فيها فترة زمنية طويلة، مع ميله الدائم للأدب خاصة خلال فترة تواجده في لندن حيث قرأ الأجزاء الأولى من رواية الأديب ستيرن «تريستام شاندي»، ومع متابعته للأجزاء اللاحقة قرر كتابة روايته الأولى التي رفضتها دور النشر عدة سنوات، ليقوم 1771 بنشرها على نفقته ودون اسم. شكل نجاح الرواية دافعا لماكنزي لكتابة روايته الثانية «رجل العالم» التي نشرها عام 1773، ومن ثم روايته «جوليا دي روبيجنيه».

على صعيد الدراما، قدمت مسرحيته الأولى «أمير تونس» على خشبة مسرح أدنبره عام 1773 وحققت نجاحا جيدا، كما ساهم في تأسيس المجلة الأسبوعية «المرآة» عام 1779. ثم أصدر بالتعاون مع كتاب المجلة مطبوعة أخرى بعنوان «ذا لونجر» وإن لم تستمر أكثر من عامين.كان ماكنزي في السادسة والثمانين من عمره حينما توفي في 14 يناير عام 1831، وكان صديقا للكثير من الكتاب والأدباء وعلى رأسهم الروائي والمحامي أيضا ولتر سكوت الذي أهداه روايته الأولى «ويفرلي».

تمحورت رواية ماكنزي «رجل المشاعر» حول المثل والقيم الإنسانية، التي ترجم معانيها على أرض الواقع من خلال أحداث وشخصيات ساهمت في فصل تلك الفضائل عن شوائبها. وإن كان من السهل لدى قراءة الرواية تصنيفها ضمن الأدب الرومانسي الذي تميز به الأدباء الفرنسيون، فأنه من الصعوبة بمكان تناول القيم برؤيا إنسانية واقعية غير مباشرة. والبطل في الرواية ليس هارلي الرجل المثالي العاطفي الذي ينقاد لمثله والمشاعر الإنسانية دون أية محاكمة عقلية، بل الأحداث التي تكشف عن جوهر التناقض في التعامل مع القيم الإنسانية النبيلة وأوجه الالتباس.

يتعرف القارئ على هارلي الشاب المستقيم الذي ورث ثروة متواضعة عن والده ويعيش مع عمته العانس، من خلال الراوي الذي حصل من القس الذي رافقه في رحلة صيد على الأوراق التي كان قد كتبها هارلي قبل وفاته والتي تحكي جزء من تاريخه الغامض المجهول بالنسبة لسكان بلدته.

ومع الراوي الذي أعاد ترتيب الأوراق حسب أرقام فصولها التي فُقد عدد منها، يبدأ القارئ رحلته مع هارلي الذي أقنعه أصدقاؤه الأثرياء بوجوب تنمية ثروته من خلال استئجار أرض من بارون في لندن. ونظرا لحب هارلي للآنسة والتون الثرية التي تسكن في الجوار، يوافق على الاقتراح.

وبمغادرته بيت عمته تبدأ رحلته. ومن خلال المفارقات يتعرف القارئ على ما هو ملتبس في فضائل الحياة. نلتقي في بداية رحلته بالشحاذ الذي يدعي قراءة المستقبل، ونتعرف مع هارلي على طبيعة الأثرياء الذين يمسكون نقودهم المعدنية أمام حاجة فقير عاندته الظروف، ولا يترددون في نقد أوراقهم المالية لقاء سماع ما يهفون إلى سماعه عن تحقيق أمنياتهم.

يصل لندن، ويتجه إلى قصر البارون وهناك ينتظر ويلتقي بشخصيات تثير إعجابه بمظهرها وسلوكها الراقي، لكن سرعان ما يكتشف خداعهم وتحايلهم لكسب المال. ومن المفارقات لقاؤه بابنة هوى يشعر بالعطف نحوها حينما تطلب منه وجبة طعام حيث يغمى عليها لدى دخولهم المقهى بسبب الجوع. وبلا تردد يحجز لها غرفة لقضاء ليلتها مع وعده بالاطمئنان عليها لاحقا.

يقدم ماكنزي من خلال سرد إيملي قصتها على هارلي في اليوم التالي، عدة محاور جديدة. تروي له أن قراءاتها للروايات والشعر الرومانسي كان له تأثيره في الانقياد لمشاعرها حينما أحبت الشاب الثري جارهم. والذي خدعها بعد أن لحقت به إلى لندن ليسلمها إلى إحدى مديرات بيوت الهوى. وحينما اكتشفت ما هو مطلوب منها حاولت الفرار لكن الخوف من العودة إلى والدها بعد هربها جعلها تعيش حياة مريرة.

وخلال الحوار يسمع صوتا هادرا من الخارج، لنكتشف مع هارلي دخول والدها الذي ينوي قتلها بحد سيفه، خاصة مع وجود رجل غريب بصحبتها. وما إن تغيب إيملي عن الوعي حتى يشرح هارلي له أسباب وجوده وقصتها ويسعى إلى إقناع الوالد بالتخلي عن الشعور بالعار لصالح الشعور بالأبوة ورفقة ابنته الوحيدة ويستدعي فيه مشاعر التسامح وتجاوز حاجز الكبرياء لقاء سعادته مع ابنته.

وهكذا تستمر المواقف التي يبرز فيها ماكنزي المعايير الجديدة للمثل، التي تُبنى ويُحكم بها تبعا لمكانة الشخص وثروته ومركزه، بصورة غير مباشرة. وأتيح لهارلي من خلال تواصله مع مختلف الفئات رؤية الوجه الآخر للحياة.

تصله رسالة من البارون يخبره فيها أن الأرض منحت لغيره، وبذا يقرر هاري العودة. في الطريق يلتقي بجندي سابق، ومن خلاله يتطرق ماكنزي إلى نقد فكرة الاستعمار والإمبراطورية التي دفعها الجشع وجمع الثروات إلى الحروب والغزو وسلب خيرات شعوب كانت تعيش بسلام.

بعد عودته بزمن يسمع بخطبة الآنسة والتون، فيكتم ألمه وحينما يصاب لاحقا بوعكة صحية يستسلم للمرض كأنما للانسحاب من الحياة، خاصة وأنه لا يملك ما يكفي من المال لطلب يدها. حينما تدرك عمته سر ألمه تدعو الشابة لزيارتهما. وحينما تجلس مع هارلي بمفردهما تبوح له بصورة غير مباشرة بمشاعرها نحوه، فيفيض قلبه سعادة تستدعي منيته مباشرة.

الكتاب: رجل المشاعر

تأليف: هنري ماكنزي

الناشر: دار نشر جامعة أوكسفورد لندن 1995

الصفحات: 160صفحة

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae