في العام الفائت صدرت سلسلة نصوص من «ذاكرة المسرح السوري» بالتعاون ما بين دار ممدوح عدوان والأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، وهي تضم إليها ستة وثلاثين نصا مسرحيا، تقع في ستة وعشرين كتابا، وتستوعب مراحل نشوء ونضوج الكتابة المسرحية منذ فترة التأسيس وحتى الوقت الراهن، ضمن منهج قائم على التسلسل التاريخي لزمن إنتاج النص، ووفق منظور يعتني بالعديد من المخطوطات التي لم تُطبع من قبل، منها ما هو حديث العهد، ومنها قديم مر على زمن كتابته عشرات السنين، وبهذا ربما تكون هذه السلسلة واحدة من أهم المشاريع الأدبية التي أُنتجت منذ بداية الألفية الثالثة.

تبدأ أول أجزاء السلسلة بنص «ناكر الجميل» لرائد المسرح السوري أبي خليل القباني (1833 ـ 1903) وحسب المراجع التاريخية هو السلسلة واحدة من أهم المشاريع الأدبية التي أُنتجت منذ بداية الألفية الثالثة، وعلى غلاف الكتاب نجد سيرة مختصرة لحياة المؤلف وأهم أعماله، وهذه هي حال الأغلفة الأخرى باستثناء الأجزاء الخاصة بنصوص الشباب.تتواصل السلسلة بنصوص الكتاب المؤسسيين لما يُعرف بالأدب المسرحي في سوريا، ممن ظهروا في النصف الأول من القرن العشرين: عبد الوهاب أبو السعود ووصفي المالح وخليل هنداوي، ثم تنتقل إلى مراد السباعي وحسيب كيالي وسلطان قطاية، إلى أن تصل إلى أولئك الكتاب المكرّسين على المستوى المحلي والعربي، ممن أسهموا بتطوير وإنضاج تقاليد الكتابة المسرحية أمثال: محمد الماغوط وممدوح عدوان وسعد الله ونوس، مرورا بوليد إخلاصي وفرحان بلبل ورياض عصمت.

كذلك تضم السلسلة نصوصا كتبها مسرحيون عرب مقيمون في سوريا من أمثال الكاتب التونسي حكيم مرزوقي، والفنانين الفلسطينيين زيناتي قدسية وعبد المنعم العمايري، وتنتهي القائمة بمجموعة من أعمال جديدة لمؤلفين مازالوا في بداية الطريق كالفارس الذهبي ويامن محمد.

الأقلام الشابة

تبعا لما ورد في تقديم الدكتورة ماري الياس لمجموعتي الشباب فقد: «كُتبت النصوص في سياقات مختلفة، أغلبها جاء في صيغة مشاريع تخرج لطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، أو ضمن ورش عمل لتشجيع الكتابة المسرحية، وبعضها كتب كنص لعرض مسرحي تم إنجازه، أو في انتظار الإنجاز، وهي حال نصوص مثل نص كفاح الخوص «حكاية بلاد ما فيها موت» .

وبشكل أكبر نصوص عدنان عودة «خيل تائهة» و«براونة أو الحرائق» لهوزان عكو»، وهنا أيضا لا توجد أية إشارة لا في المقدمة، ولا في أي مكان آخر من المجموعة حول المدة الفاصلة بين زمن إنتاج هذه النصوص وزمن صدور طبعتها الأولى في سياق السلسلة، وأي منها تم عرضه سابقا على خشبة المسرح؟.

إذا تركنا جانبا المقدمات والعناوين العامة حول «ذاكرة المسرح السوري»، وانتقلنا إلى أجزائها الستة والعشرين، فسوف نلاحظ أن لكل جزء أهميته وميزاته الخاصة، فلو توقفنا مثلا عند الجزء الثاني من السلسلة، فهو نص لم يُنشر سابقا، من تأليف عبد الوهاب أبو السعود وبعنوان «وامعتصماه أو فتح العمورية».

وحسب معطيات صورة المخطوط الأصلي المرفقة، فقد أتم المؤلف كتابته عام 1944، أي أن ثمة أربعة وستين عاما تفصل ما بين زمن إنجاز هذا النص وزمن صدوره في طبعته الأولى، مع أن أبا السعود (1897 ـ 1951) كان واحدا من أهم المؤسسين الأوائل، وقد درس التمثيل في القاهرة على يد جورج أبيض في بدايات القرن العشرين.

يفتتح أبو السعود مخطوطه بوصفه رواية تاريخية حماسية ذات ثلاثة فصول، ثم يضع قائمة بأسماء الشخصيات الواردة فيها مع شرح توضيحي مختصر لكل منها، كالمعتصم بالله (الخليفة العباسي)، محمد بن عبد الملك الزيات (الوزير الأول)، الأفشين (قائد الجيش ـ تركي الأصل)، أشناس (من القواد ـ تركي الأصل)، إبراهيم الهفتي (مضحك الخليفة).. ومن ثمة يحدد الزمان والمكان بالإشارة إلى أن «حوادث هذه الرواية جرت في عهد المعتصم بين سامرا وعاموريا».

بعدها ينتقل إلى تقديم النص، فيوضح منذ البداية حداثة عهد هذا الجنس الأدبي وحاجته إلى الدعم: «فن القصة المسرحية في بلادنا لم يزل في مهده..» (ص17) ثم يشير إلى أن موضوعات المسرح يمكن استلهامها من الواقع أو من التاريخ، وفي الحالتين تحتاج الكتابة المسرحية إلى الكثير من التأمل والدراية والموهبة.

كما يبين أن نصه لم يتقيد تماما بالوثيقة التاريخية لأن: «ما نكتبه عما يمر حولنا من صور الحياة التي نعيشها، ليس كالذي نكتبه عن قصة تاريخية بعدت عنا أساليبها وعاداتها التي قد لا نجدها بين ثنايا التاريخ، على أن التوفيق بين تسلسل الحوادث وإظهار القصة بوقت ومكان معين يحتاج إلى تحوير وتصرف في الزمن، وأحيانا إلى سعة خيال، وإن خالف هذا العمل الحوادث التاريخية بحقيقتها، فالمسرحية تُكتب بالدرجة الأولى من أجل الفن، لأن الغرض الأول هو إحياء ذكرى ما خلّده التاريخ من أعمال مجيدة قام بها أجدادنا العرب من فتح ونشر ثقافة وعلم وفن» (ص17و18).

تستلهم المسرحية أحداثها الأساسية من الواقعة التاريخية الشهيرة التي تحكي عن امرأة عربية مسلمة أسرها الروم، واستغاثت بالخليفة المعتصم أثناء تعذيبها، فوصله الخبر، فما كان منه إلا أن أرسل جيوشه لنجدتها، في مقدمتها أيضا تشير الكاتبة إلى أن النصوص تلفت النظر على مستويي المضمون والشكل، بمعنى الاتجاه نحو الموضوعات ذات الطبيعة الخاصة، والميل إلى اعتماد اللهجة المحكية، حيث:

«تبرز مواضيع جديدة لم يتطرق لها جيل الآباء نهائيا، ويبرز توجه جديد يضع الأنا الجائعة المضطربة الضائعة في قلب هذا العالم المعقد، الأنا الشخصية حائرة مربكة في تحديد ما تريده (الجنس، الاستقرار، الزواج) وحائرة في كيفية التعبير عما تريده، فتظهر تيما جديدة مثل: العنف، الرفض، الهجرة، السفر، الندم، لذا فإن اغلب هذه النصوص تأتي كثورة على القيم الموجودة، إن في خيار الموضوع، أو في شكل التعبير عنه، والمقصود في شكل التعبير القول المباشر الذي يبدو فجا في بعض الأحيان.. هذه الثورة تركّز على الأنا، بينما تغيب نهائيا محاولة تفسير الأشياء، أو ربط مشكلة الأنا أو العلاقة بين الأنا والآخر بما هو أوسع منها أو يتجاوزها من سياق اجتماعي أو سياسي أو غيره» (ص13 ـ 14 ج2).

تهامة الجندي